أحاديث آخر السنة

هذا آخر يوم في السنة .. تلك السنة التي لا يختلف اثنين في أنها كانت خارجة عن المألوف وأثرت على كل شخص في هذا الكوكب .. الخوف من العدوى والحجر وارتداء الكمامات وأمور أخرى حدثت وتحدث لا نعلم أي شيء عن أغلبها .. الناس عادة لا تفرق بين الأحداث المركزية التي لا تصلنا في الغالب أي معلومات عنها وبين تلك التي هي مجرد ارتدادات لا أكثر .. يحدث هذا لأن قنوات الأخبار التجارية .. وهي في المطلق كذلك .. هي من تحدد أهمية الخبر وفق ما تمليه عليها جهة التمويل ..

دعونا من كل هذا .. أريد التحدث هنا عما جرى في هذه السنة من المنظور الشخصي وليس بهذا الاتجاه الذي لا تكفي مجلدات للحديث عنه .

بالنسبة لي كانت هذه السنة مميزة حقاً .. أمور عديدة حدثت منها ما هو محزن ومنها ما هو محبط ومنها من هو إيجابي .. لماذا ذكرت كلمة إيجابي في النهاية !؟

الواقع أن هذه إحدى طباعنا نحن البشر .. نحب التكلم عن أوجاعنا وهمومنا ومخاوفنا ونصمت إزاء المكاسب واللحظات الجميلة ..

هناك من سيسألني بخبث عن أولئك المحسنين الذين يشاركون الناس بلحظاتهم اليومية الجميلة بدءاً من شفاءهم من إمساكهم المزمن وانتهاءاً برحلاتهم لشتى بقاع الأرض ..

الواقع أن هذه ليست مشاركة بقدر ما هي نوع من التفاخر الذي يأتي غالباً بعد حرمان .. كان هناك موظف في شركة كنت أعمل بها لا يكف عن تصوير نفسه عشرات المرات أثناء النهار ولا عن الحديث عن الأحذية والساعات والملابس التي يقتنيها باستمرار وهناك آخر ذكر مرة بزهو أنه يقوم بأكل اللحوم كل يوم !! أصابتني وقتها نوبة من الضحك فالكائنات التي تقوم بأكل اللحوم كل يوم معروفة وقد شبّه نفسه ذلك الأحمق بها .

لنترك الحديث عن هذا الموضوع الى وقت آخر .. بالنسبة لي كان أكثر الأمور الايجابية التي حدثت خلال السنة هي مسألة العمل عن بعد لأنها أبعدتني عن روتين الذهاب الى العمل اليومي ووفرت علي الوقت والجهد والمال وأعطتني جو من الهدوء والتركيز .. ولأني بطبعي أميل الى الهدوء والعزلة فلم يؤثر علي البقاء في المنزل في أوقات الحجر بشكل كبير .. ما كنت أفتقده هو نزهاتي المسائية وهوايتي في السير الطويل التي لم أكن أستطيع في أوقات كثيرة القيام بها بسبب مواعيد الحظر .

هذا التغيير في نظام حياتي اليومي أعطاني الوقت والجو اللازم للتفكير في أمور كثيرة وتحديد أولويات يومية مختلفة وجعلني أتخلص من عادات سلبية عديدة كانت تشكل بالنسبة لي مصادر للتشويش .. بالمختصر غيّر التباعد الاجتماعي طريقة رؤيتي للأمور بشكل كبير .. وكمثال عملي أصبحت أكثر قرباً من عادة القراءة أكثر من قبل .. هناك أيضاً أمور أخرى لم تكتمل بعد سأتكلم عنها في وقت ما إن شاء الله .

خلال هذه السنة قمت بإنهاء ونشر روايتي الأولى : حكايا رحمي فؤاد التي بدأتها في منتصف عام 2019 وقمت بكتابة مجموعتي القصصية : يوم كنا نمشي على الطريق .. حاولت أن أجد ناشراً لهما بلا جدوى لذلك أتحتهما مجاناً للقراءة .. الكاتب يحب أن يقرأ الناس ما يكتبه حتى إن كان هذا بالمجان .. قد أستطيع يوماً ما نشر كتبي القادمة عن طريق دار نشر ما وقد لا أستطيع .. لكن بكل الأحوال ليست كل المكاسب مادية .. وبالنتيجة يستحق بطل روايتي وأبطال مجموعتي القصصية أن لا يبقوا داخل ملف ما بانتظار فرصة نشر وانتشار ورقي قد لا تأتي أبداً .. مرة سألني أحد الأصدقاء عن هدفي من الكتابة .. أجبته بعدة أهداف أحدها أن اكتمال فكرة قصة ما في عقل الكاتب ستدفع أبطالها للدق باستمرار على باب الخروج وسيجد الكاتب نفسه يمسك قلماً أو يفتح ملفاً نصياً جديداً ويبدأ بالكتابة .. وهذا ما فعله رحمي فؤاد وباقي الأعزاء الذين هم ليسوا من لحم ودم للأسف .

وعدت خلالها للتدوين .. أنشأت هذه المدونة وبدأت ولدي نية أن لا أتوقف الى ما شاء الله .. التدوين من أكثر نشاطات الشبكة جمالاً .. تتعرف من خلاله على أشخاص مميزين وتقترب منهم بقراءتك تدويناتهم وتشعر بالعواطف البشرية المختلفة التي تعطي بعض الدفء حتى لتلك الكابلات البحرية البالغة البرودة .

وخلالها أيضاً بدأت بتطوير لغتي الانجليزية .. شكراً لمن شجعني على ذلك .. أحاول الاستماع يومياً لبودكستات منوعة وبدأت بقراءة بعض القصص ذات الاسلوب غير المعقد .. مرة قال لنا محاضر اللغة الانجليزية الجميل الأستاذ نضال عجاج أن تعلمك لهذه اللغة هو بمثابة امتلاكك لمفتاح ذهبي تستطيع من خلاله الوصول لعشرات الفرص والمجالات ..

وخلالها أيضاً إلتحقت بدورة الكتابة لتجربة المستخدم بالعربية التي يقدمها الأستاذ والصديق محمود عبد ربه .. وهي مازالت مستمرة حتى الآن .. اختصاص جديد وممتع وأسلوب إعطاء جميل .. ستكون هناك تدوينة كاملة إن شاء الله بعد أن تنتهي الدورة وهنا تدوينة كتبتُ فيها جزء من تجربتي بهذا الصدد.

كانت سنة مميزة حقاً وأعتبرها سنة تغيير على المستوى الشخصي بامتياز .. سنة التفكير والبعد عن ضجيج والمفرزات السلبية للبشر .. وهي سنة أدركت فيها أنني كنت جاهلاً عن حقيقة بعض من كنت قد أفسحت لهم مكاناً في قلبي ووقتي ويومي .. ولكن برغم كل شيء يكون الوجع والاحباط مقدمة لمرحلة إيجابية لاحقة ستأتي في حال قررت أن تنفض عن ذهنك كل التفكير فيما جرى وما حدث وتنظر للأمام فقط .. التخلص من التفكير السلبي ليس أمراً سهلاً ويحتاج لجهد ووقت لتحقيقه .. لكنك ستحصل على نتيجة لو أردت ذلك فعلاً .

هل أنا سعيد لأنها انتهت ؟ .. الإجابة هي لا لأنه برغم سلبياتها فهي تعبر بالنهاية على أن هناك قدر من الوقت قد نقص من أعمارنا المحدودة .. وعِبرة لكي تظل تلك الحقيقة معيار لنا عند التفكير بما يجب أن يتم إنجازه لاحقاً .

أرجو من الله لي ولكم سنة كلها بركة وخير وابتعاد عن الشر والهموم.

رابط الصورة البارزة