من أمام الثلاجة

منتصف الليل قد مر منذ فترة وأغلب أفراد البيت قد خلدوا للنوم .. أنت تجلس وحيداً في غرفتك تستمع لحفلة قديمة تأتي من إذاعة الأغاني في شغف .. الأغاني القديمة التي تسمعها لأول مرة .. زمان كنت تتصور أنك سمعتها كلها ولكنك تكتشف كل فترة أغنية تتعامل معها كأنها أغنية الساعة .. لقد انتهت علاقتك بالأغاني الحديثة منذ أغاني التسعينات التي أصبحت قديمة هي الأخرى .

تشعر بمعدتك تتضور جوعاً .. منذ متى وهي تعاني ؟؟ .. يبدو أن التجاهل لم يعد يجدي .. تخرج من غرفتك وتتسلل نحو المطبخ محاذراً أن توقظ أحد ما .. الشخص الذي ستتسبب بإيقاظه هو إنسان خطر .. خاصة إن كان والدك .. عندها سيصبح في سجلك الجنائي لهذه الليلة جريمتان .. إيقاظه والسهر لوقت متأخر ..

تفتح باب الثلاجة وتتأمل محتوياتها في شرود محاولاً إيجاد شيء يؤكل مع أنك تعلم تماماً ماذا يوجد بها ولكنك مع ذلك لا تكف عن الأمل .. لنقل هو نوع من الاعتقاد بخرافة أنه من الممكن أن يكون هناك شيء ما لذيذ قد نسي بقية أعضاء العائلة أن يأكلوه قبل أن يناموا ..

الضوء الخافت الذي يشع في أجزاء متفرقة من المطبخ .. الضوء الجميل الملهم .. أحاول أن أتخيل شعور أول إنسان وقف يتأمل محتويات الثلاجة على ضوءها الرومانسي الحالم .. ما الذي جعلهم يضيفون ضوءاً لها يا ترى ؟؟ .. هل تم هذا بعد ضغوطات من الذين لا يريدون النوم وهم فارغي البطون .. من سيرغب أو سيستطيع أصلاً أن ينام بمعدة فارغة إلا مضطراً وما أكثر المضطرين هذه الأيام للأسف .

دقائق وستفقد الأمل في وجود ما تستطيع اشتهائه .. عندها ستلجأ الى ملاذك الأخير .. الجبن مع الخبزالمحمص وكأس الشاي الساخن .. استمتع بها قدر المستطاع قبل أن يأتي وقت لن تستطيع ذلك بسبب مشاكلك مع المعدة .

تعود الى غرفتك وأنت تحمل صينية الغنائم .. الهواء البارد يتحرك متململاً في الخارج وقد سأم من الهدوء وقلة المارين .. والحفل مستمر مع صوت المذيع الرصين الذي يأتي مع نهاية كل أغنية .. وأنت جالس تلوك الطعام وعقلك لا يتوقف عن التفكير في الحاضر والغد .. أمور عديدة تجول في خاطرك يسبب لك بعضها الترقب وبعضها الغضب والبعض الآخر الحزن .. لو كنت تعلم أن كل هذا التفكير بلا فائدة لربما كنت وفرت على نفسك الكثير من الوقت والجهد الجسمي والنفسي .

ولكن كيف ستعلم ذلك وأنت مازلت شاباً صغيراً بلا خبرات تذكر .. سيكون عليك أن تجرب الكثير من الأمور حتى .. لنقل .. حتى تضع قدمك على بداية طريق حقيقي .. لنقل .. طريق يبدو واضح المعالم .. ستتعب كثيراً ويحدث لك أشياء لم تكن لتتصورها مهما جمح بك الخيال .. ستجلس آخر الأمر في بلد آخر وظروف مختلفة تماماً .. ستتغير الدنيا كثيراً وستغيرك أنت أيضاً بأشكال مختلفة .. هذا يعتمد على مدى مقدرتك على التحكم بذلك التغييرحتى لا تنتهي الأمور بشكل غير مرضي ويبدأ الندم والشعور بالضياع .

سيكون عليك أن تظل يقظاً .. هذه الحياة لا تأتي مرتين وهي رأسمالك الحقيقي .. لذلك أكمل وجبتك الآن واستمع لباقي الحفلة واخلد للنوم ..

عسى أن يكون الغد مختلفاً بطريقة ملموسة تصنعها أنت .

رابط الصورة البارزة

رزمة السعادة

هل جربت أن تسأل نفسك يوماً عن الشيء الذي يجعلك في أقصى حالات الفرحة والفضول والترقب ؟؟ .. عن ذلك الأمر الذي يجعل قلبك يدق طبولاً أشبه بطبول حرب القبائل الأفريقية ..

ستختلف الإجابات وتتنوع بشدة .. هذا أكيد .. بالنسبة لي فالإجابة على هذا السؤال هي :

  • رزمة كبيرة تتكون من خليط من مجلات الكوميكس والعربي والعربي الصغير واصدارات دار المعارف القديمة

أمنية متواضعة وسهلة التحقق أليس كذلك ؟؟

الواقع أن الأمر ليس بهذه السهولة وخاصة عندما تعيش في محيط لا يتكلم اللغة العربية .. لن تجد إلا عدد قليل جداً من المكتبات تقدم فقط مجموعة معينة من كتب الترندات لا أكثر .. لن تجد تلك المكتبات القديمة التي تشتري الكتب المستعملة وتبيعها .. ولن تستطيع الطلب من شخص ما أن يرسل لك مثل تلك الرزمة .. هذا طلب غير تقليدي لن يستطيع أي شخص تلبيته لك .

هذه الكومة من الأسرار التي ستشعرني بالحبور .. ساعات طويلة من التفحص والاستكشاف والقراءة .. هذا النمط الجميل من الكتابة والرسومات والكلام الذي يدخل القلب مباشرة .

قد تجد مثل هذه الرزمة في بيوت الكثير من الناس وقد وضعت في مكان مهمل ما ونُسي أمرها تماماً حتى يصيبها التلف أو ترمى مباشرة في القمامة .. الناس يتعاملون مع الأشياء القديمة على أن الوقت قد حان للتخلص منها مهما كانت تؤدي دورها على أكمل وجه .. يرغبون دائماً في التقنيات الحديثة وعندما يقتنونها لا يستعملون ربع الميزات التي تقدمها لا لشيء سوى لأنها لا تلزمهم أساساً .

الأمر الذي يجذبني في المجلات والدوريات القديمة هو إتقان المهنة .. ستجد رسوماً تجذبك بشكل لا يوصف ومواضيع وكلمات منتقاة .. الحقيقة أنه يوجد اليوم الكثير من الكتّاب هذا إذا تغاضينا عن منشورات مواقع التواصل الاجتماعي التي أغلبها لا لون لها ولا طعم ومجرد أكوام من الثرثرة الفارغة .. الكثير من الكتابة والكلام لدرجة أنه أصبح من الصعب البحث عن شيء يستحق القراءة .. هذا هو الفرق بين الدوريات والمجلات القديمة وبين ما يحدث الآن .

هل كل ما هو قديم بهذه الجودة التي تذكرها ؟؟ كلا بالطبع .. كان يوجد أيضاً ما هو تافه ولا يستحق النظر إليه ولكن كانت الخيارات كلها متاحة .. المفيد وغير مفيد .. كان كل شيء مركزاً وواضحاً ويقدم نفسه بشكل وعبارات مفهومة .

ما يحدث اليوم أن الصالح ذهب مع الطالح وكثرة الصراخ تمنع من سماع أي شيء مفيد .

بكل الأحوال هناك العديد من الأشياء التي تجعل الناس يشعرون بسعادة لا توصف .. هذه إجابتي أنا وإن كان لديك يا صديق القراءة العزيز إجابات أخرى فقد ترغب بمشاركتها في التعليقات .. هذا أيضاً يُشعرنا معشر المدونين بسعادة غامرة .

رابط الصورة البارزة

صفر .. نقطة .. من أول السطر

البارحة حذفت جميع تغريداتي التي كتبتها طوال ثلاثة عشر عاماً والتي هي عمر حسابي على تويتر .. كانت حوالي ثمانية وأربعين ألف تغريدة .. رقم كبير حقاً وأضخم من اللازم .

طوال هذا الوقت حدثت أشياء وأشياء وأنا نفسي تغيرت ولم أعد ذلك العشريني الذي سمع بخدمة تدوين مصغر اسمها تويتر وتساءل بينه وبين نفسه عن معنى هذا المصطلح وأراد معرفة ما هناك ومن هنا بدأت هذه التجربة المتقطعة المستمرة رغم ذلك .

أشياء كثيرة حدثت منذ ذلك الحين حتى هذه اللحظة .. تغيرات كبيرة على المستوى الشخصي والشعبي والتاريخي جعلت من الاحتفاظ بطوفان التغريدات هذا أمراً غير مجدي ..

لا يمكنني اعتبار هذه التغريدات نوعاً من التاريخ الشخصي لأنني لم أكن أمارس التغريد بشكل حقيقي للأسف .. في أغلب الأوقات كنت أمارسه كنوع من كتابة السوشال ميديا العشوائية التي من الممكن اعتبارها صراخاً في حمّام لا ماء فيه .. قد لا يكون حمّاماً في الأساس ونحن من حسبناه ذلك .

لم أمارس التدوين المصغّر الذي سمي بعد ذلك بالتغريد لذلك لم يكن من المنطقي أن أحتفظ بها لأنها لا تعبر عني أولاً ولأن أغلبها كان عبارة عن ردود أفعال ولا تحوي أي شيء مفيد يستحق أن يبقى .

هكذا سأبدأ صفحة بيضاء وسأحاول أن أتعلم الدرس هذه المرة .. إن كنت تريد فعل شيء ما فقم بذلك بشكل صحيح أو حاول على الأقل ..

البدء من جديد يبدو شيئاً مغرياً وجميلاً .. هناك من يقول بأنه لو أتيح له البدء من جديد في الحياة فلن يكرر أخطاء الماضي وسيعرف تماماً ما يجب فعله .. هذا افتراض ساذج وغير حقيقي لأنك لم تكن لتعرف الخطأ من الصواب من دون تلك التجارب .. ومادمت اكتسبتها فأنت لن تستطيع البدء من جديد مهما ظننت عكس ذلك .. أنت ستكمل ما بدأت به فقط .. ولو فقدت ذاكرة وبدأت فعلياً من الصفر فأنت ستعيد أخطاءك لا محالة .

أنا سأكمل ما بدأت به ولكن بعد أن تعلمت الدرس .. وتبقى الخيارات في تويتر أخف وطأة لأن خيار حذف كل شيء موجود دائماً بعكس الحياة التي قد تلطخك أحياناً بألوان من الصعب إزالتها فتُجبر على التعايش معها مع أنك تجاوزتها منذ زمن طويل .

رابط الصورة البارزة

دومينو وقرقعة نرد

من أكثر الأمور التي تقفز الى ذهني عندما أقرأ رواية ما لنجيب محفوظ أو عن نجيب محفوظ نفسه هي المقاهي .. ذلك المكان الساحر الذي يحوي كل متناقضات البشر ..

كنت أحاول تخيل جلساته الإسبوعية مع شلة الحرافيش والأحاديث التي كانت تدور بينهم .. شلة الحرافيش التي نقلت اجتماعاتها الى عدة مقاهي كمقهى قشتمر وعرابي والفيشاوي .. تلك الشلة التي أسسها الكاتب محمد عفيفي وكانت تضم أعضاء دائمين وغير دائمين مثل الكاتب عادل كامل والفنان أحمد مظهر وصلاح جاهين رحمهم الله وغيرهم .. كانت تلك الإجتماعات وغيرها هي الناطق الحقيقي لحال المجتمع وحقيقة الأمور التي كانت تدور في مختلف الأوقات .. الحقيقة كما هي بعيدة عن التزويق وقول ما هو مناسب والسكوت عن أمور قد تجلب وجع الرأس وما أكثر ما يجلب وجع الرأس .

لم يكن الجلوس على المقاهي من الأمور الشائعة أو المحببة في سوريا التي كنت أعرفها .. وبالنسبة لأغلب الناس كان الجلوس على المقهى يرتبط بالتسكع وتضييع الوقت وبأمور شائنة .. كان هذا الإنطباع مقصوداً فلم يكن محبب للنظام الحاكم أي نوع من التجمعات .. المقاهي أمكنة مثيرة للخوف في نفوس من يريد من الناس كامل الطاعة .. هناك كان يجلس المثقفون مع باقي الناس فينتج عن هذا اللقاء زيادة في الوعي وهذا شيء غير مستحب في تلك البقعة من العالم .. لذلك لم يكن يوجد في حلب على سبيل المثال غير القليل جداً من المقاهي القديمة التي كان أغلب روادها من المسنين الذين جاؤوا للعب الطاولة أو الدومينو ومراقب أو إثنين للأوضاع .

المقهى كان مكاناً يتجمع فيه الناس ويتبادلون فيه القصص والحكايا والخبرات .. يستمعون لبعضهم ويتبادلون أحاديث شتى تتصاحب مع العديد من الضحكات أو صيحات الغضب من موضوع ما بين مؤيد ومعارض .. يواسون الحزانى ويباركون للسعداء .. يتسلون بلعب الشطرنج والطاولة وغيرها ويحاولون نسيان تعب النهار .. يتحدثون في السياسة في زمن كانوا يستطيعون فيه فعل ذلك ثم يصمتون بعدها وهم يصيغون السمع للمذياع الذي بدأ ينقل حفل أم كلثوم الشهري ..

وبالنسبة لكبار السن كان المقهى هو علاقتهم بالحياة بعد أن توقفت من زاوية العمل ومن زاوية البيت الذي فرغ من أحبائه الذين شق كل منهم طريقاً خاص به وأغرقته تفاصيل الأيام وأنسته البيت القديم.

لقد أصبحت المقاهي هذه الأيام عبارة عن أماكن يزورها السياح ويجلس فيها البقية الباقية من روادها القدامى .. أحياناً يشعر بعض الشباب بالحاجة الى كسر الروتين ويذهبون لهناك لا كزبائن أصلاء بل كجالسين في مكان يشبه الكافيتريا التي أصبحت بديلاً فارغ المضمون عن المقهى .

رابط الصورة البارزة

عادات

الحياة هي كومة من العادات القديمة والعادات الحالية والعادات التي نكتسبها باستمرار ولا نكف عن فعلها من لحظات الصباح الأولى وحتى تلك الثواني التي تسبق النوم والتي تشعرك بأن الحلم قد بدأ قبل أن تصل لمقعدك وتتابعه من بدايته .

العادات هي ما تجعلك تفعل أشياء لا تحب فعلها ولكنك مضطر لذلك كالذهاب الى .. أحم .. والذهاب الى العمل .. لا أحد يحب مكان عمله إلا القليل من الناس .. ما السبب !؟ هذا بحاجة الى تدوينات كاملة وليس مجرد سطرين في تدوينة عن العادات .

عادات مفيدة كالقراءة والرياضة والضحك .. ماذا !؟ .. الضحك ليس عادة .. من قال ذلك !؟ .. الضحك عادة طبعاً كالنكد تماماً .. هناك من قرر أن تكون حياته عبارة عن ضحكة ساخرة طويلة وهناك من اختار أن تكون سحبة عويل لا تنتهي .. قد تكون الظروف ثقيلة حقاً ولكن الضحك يعرف طريقه أيضاً الى بيوت الفقراء والمهمومين .. وهم يعرفون كيف يضحكون وضحكاتهم تكون من القلب أكثر من الميسورين ..

هناك من اعتاد أن تكون حياته فيلماً خيالياً طويلاً يخلو من أي حقيقة .. يجلس أحياناً في صالة المنزل يحاول أن يتذكر كيف كانت تبدو شخصيته الأصلية ويصاب بعد مدة بالإحباط والملل فيمد يده الى جيبه باحثاً عن شخصية مناسبة للمشوار القادم ويلصقها بعد ذلك على وجهه وهو يتأملها في رضا من خلال تلك المرآة القابعة جانب الباب .

هناك من اعتاد أن يلعب دور الضحية وعنده خبرة طويلة في فن الشكوى .. أولئك الأشرار الموجودين من حوله والذين يمنعوه من فعل شيء ما ذا قيمة .. الملاعين الذين لا عمل لهم سوى نسج المؤامرات وإيقاعه بها .. لا ينامون ولا يأكلون ولا يذهبون الى .. أحم .. فقط يفكرون ويخططون ويدمرون حياته .

هناك من اعتاد أن يلعب دور الطيبة وقلة الحيلة .. الآباء المؤسسين لنظرية أن الخير سلبي والشر إيجابي جداً .. بالنسبة لهم الطيبة هي أن تنتظر أخذ حقك وأنت جالس تتسلى باللعب في أصابع قدميك .. أشياء شريرة ستقع لو سولت له نفسه أن يغضب .. الغضب شيء كريه ولا يصح أن نحشره في صدورنا مهما كانت تلك الضربات التي ترعِد على رقابنا لاسعة .

هناك من اعتاد على أن يكون هكذا دائماً .. تتغير الدنيا والناس وكل شيء حوله ويختفي الليمون الحامض والبطيخ الأحمر الأحلى من البقلاوة وأوعية اللبن الخشبية ولعبة القطار القديمة وهو هكذا دائماً .

هناك من اعتاد على عدم إغتنام الفرص وتركها تمضي أمامه .. تتراقص فرصة ما أمامه فتصرخ شبابيك المباني وأشجار الشوارع والمداخن والعصافير لكي يمسك فرصته بينما هو يراقبها بتسليم حتى تختفي .. ثم يتنهد لاعناً حظه وحياته الفارغة من أي شيء ..

هناك الكثير من العادات والناس لا تكف على اكتسابها .. عادات الماضي التي لا تموت بسهولة .. وعادات الحاضر التي تتسلل الى نفوسنا في خفاء .. وعادات أخرى قد لا يسعنا الوقت لاكتسابها ..

رابط الصورة البارزة