في عالم نجيب محفوظ

يصادف اليوم ذكرى ميلاد نجيب محفوظ .. أول رواية قرأتها له كانت بداية ونهاية وكان عمري وقتها لا يتعدى الثانية عشر سنة .. ولا تسألوني كيف استطعت في هذا العمر الصغير قراءة رواية دسمة مثل تلك .. الواقع أنه لم يكن متاح لي في ذلك الزمان الكثير لأقرأه .. لذلك كنت أقرأ أي شيء يقع تحت يدي .. روايات نجيب محفوظ .. مجلات العربي .. متن أبي شجاع .. أشعار أبو القاسم الشابي مع سيرته الذاتية .. كتاب يتحدث عن السينما والخدع السينمائية .. أي شيء المهم أن يكون صالحاً للقراءة .. أحياناً يعود الأمر الى طبيعته عندما يُشترا لي عدد من مجلة العربي الصغير أو ماجد ..

لذلك لم سكن تدرجي في القراءة طبيعياً .. في السنوات التي سبقت سن الثامنة عشرة عاماً استعار لي أبي المجموعة الكاملة للكاتب محمد عبد الحليم عبد الله من أحد أصدقائه ولم يتحرج من ذلك كوني أحافظ على الكتب من أي تلف أو تجعيد .. عالم هذا الكاتب شبيه بعالم نجيب محفوظ مع وجود نكهة مختلفة لأسلوبه في الكتابة ..

ومنذ سنوات شبابي المبكرة كان يشدني عالم نجيب محفوظ .. الحارة المصرية القديمة والفتوات والمساكين والمساطيل والأغنياء .. حكايات كلها عِبر وتأملات .. أسلوبه العميق والغير معقد جعل له مكاناً في الوجدان بين تفاصيل شخصياته وأسماء الأماكن الحقيقية التي تزخر بها رواياته .

كنت دائماً أحرص على عدم قراءة جميع رواياته وأترك دائماً ما أستطيع قراءته حين ما أرغب لذلك لم أقرأ ملحمة الحرافيش إلا منذ ثلاث سنوات تقريباً وتركت الثلاثية وغيرها لما بعد سن الأربعين .

حياة نجيب محفوظ هي رواية بحد ذاتها .. طفولته في حي الجمالية .. دراسته الفلسفة ثم تنحيتها جانباً والإنغماس في الأدب في سن ليست صغيرة .. عمله الحكومي الذي أتاح له وقتاً للكتابة .. شلة الحرافيش التي هي حكاية بحد ذاتها .. سأتجاهل نقطة خلافية كبيرة في مسيرة حياته ولن أتحدث عنها ..

كان نجيب محفوظ يحب السير عبر طرقات القاهرة .. الطرقات التي كتب عنها .. هذه صفة مشتركة بيني وبينه .. حب المشي في طرقات المدينة .. الحكايات والعبارات المقتضبة التي كان يحكيها لمن يصاحبه في سيره أحياناً كرجاء النقاش .. هذه تجربة من الصعب أن تحظى بمثلها وخصوصاً في هذا الزمن .. السير مع أديب كبير والاستماع الى كلماته وآرائه ..

هناك عبارة قرأتها مرة في مجلة العربي الصغير في عدد احتفالي عن نجيب محفوظ : كان عندنا ثلاثة أهرامات .. الآن أصبح لدينا هرم رابع من مؤلفات نجيب محفوظ .

رحمه الله .

شهر من التدوين اليومي

اليوم أكملت شهراً من التدوين اليومي .. هذا أمر كنت أتمنى فعله منذ سنين طويلة وبالتحديد منذ أول مدونة أنشأتها ولكنني لم أتمكن من ذلك لأسباب مختلفة .. منها أنني كنت مدوناً جديداً ونفسُ الكتابة اليومي لم يتشكل لدي بعد .. ومنها كثرة العمل والمشاغل .. ومنها أنني كنت أفضل قراءة التدوينات أكثر من كتابتها ..

أمتلك عموماً العديد من الذكريات مع التدوين وقد أذكرها هنا في يوما ما ..

بدأ كل شيء من مكالمة مع الصديق محمود عبد ربه مؤسس منصة الكتابة لتجربة المستخدم .. أنا أحب المكالمات الهاتفية والثرثرة مع المدونين وقد فعلت هذا في السابق مع الأصدقاء يونس بن عمارة وطارق الموصللي وكانت حقيقة تجارب مميزة جداً .. المدون لديه دائماً أشياء وأشياء ليتحدث بها وليس الحديث معه كأي حديث مع شخص آخر …

سمعت أثناء المكالمة نصائح جميلة جداً .. محمود من تلك النوعية من البشر الذين يعتبرون دعم الناس إيجابياً إسلوب حياة يمارسونه من دون أن يشعروا حتى بذلك .. من بين تلك النصائح كان التدوين المستمر .. دوّن عن أي شيء يخطر لك المهم أن تدوّن .. شعرت بعد كلامه بأن الوقت قد حان حقاً لفعل ذلك وبعدها بدأت.

التدوين اليومي ليس فقط مجرد أن تنشر تدوينة كل يوم .. لقد غيّر الى حد ما نظامي اليومي وأزاح لنفسه مكاناً فيه .. ولأن عدد ساعات اليوم لا يتغير فهذا بالضرورة قد أدى لعدم فعلي أموراً أخرى غير ذات قيمة .. علاوة عن شعوري بعد هذا الوقت أن التدوين قد أصبح عادة لي وليس مجرد فعل أقوم به في أوقات الفراغ النادرة .. كان تحدي بيني وبين نفسي وقد نجحت به والحمد لله .

في الأيام القادمة سأغّير من إيقاعي التدويني .. سأكتب تدوينتين أو ثلاثة في أيام العطل وسأُجدولها لتُنشر تلقائياً .. التدوين اليومي لفترة طويلة يستلزم وقتاً لا أملكه للأسف .. هناك أمور أخرى عليّ القيام بها ومن يدري فلعلي أعود الى التدوين اليومي عندما تتوفر ظروف أخرى مواتية .

لدي العديد من الأمور التي أرغب بتدوينها والتكلم عنها .. لذلك أدعوكم لزيارتي هنا وقتما ترغبون .. هذه المدونة لا تغلق أبوابها عن أحد وسترونني جالساً أمام الباب على تلك المصطبة الطويلة التي تسع الجميع .. المساء يقوم مفسحاً المجال للّيل والورود بدأت بالاحتفال وسكب عطرها الزكي في أنفاس الهائمين المتعبين من زحام النهار وقسوته .. هنا ستجد صحبة ومودة وأحاديث وكأس شاي ساخن بانتظارك .. قد ترغب بإضافة بعض القرفة إليه .. لابأس بذلك أبداً .. أهلاً وسهلاً بك دائماً .

رابط الصورة البارزة

ذلك الكابوس

أريد أن أتكلم اليوم عن الكوابيس .. ليس موضوعاً محبباً للكلام عنه .. أليس كذلك !؟ .. ستخطر ذكريات معينة ببال أي شخص يقرأ هذه الكلمات .. قد تكون مبهمة وقد يكون مجرد شعور مقبض من دون أية تفاصيل أخرى ..

عادة ما تأتي الكوابيس بعد ساعات قلق مزمن فشلت في جلب الأرق فأتت بشيء سيء آخر .. قد تكون وجبة دسمة جعلت من مجرد التنفس نوعاً من المعاناة .. قراءة رواية مرعبة .. مشاهد فيلم رعب .. هاجس ما يظهر لك مجسّداً في المنام .. رعب يأتي برعب.

عندما كنت صغيراً كانت معظم كوابيسي تتلخص بكيان ما شرير موجود في البيت وأنا ثقيل الكلام والحركة ولا أستطيع الهرب .. كان منها ما هو واضح أكثر من اللازم لدرجة مرعبة هي الأخرى .

عموما لم تكن لي تجربة خاصة مع الكوابيس حتى تلك الفترة من عام 2013 .. كنت وقتها قد عدت للسفر الى تركيا بعد أن تأكدت من أن لم يعد هناك حياة في حلب .. هذه مدينة تموت وستأخذ معها كل من بداخلها .. أصبحت الحركة عسيرة جداً مع ازدياد حواجز أمن النظام .. كنت تراهم في نهاية وبداية كل شارع .. صار الذهاب الى العمل أمراً خطراً بامتياز .. الخيارات السوداء لما قد يحصل متنوعة ومبهجة حقاً .. قد تُعتقل من قبل حاجز أمن أو حاجز من الشبيحة لأتفه سبب .. الكنية مثلاً .. بيت الحريري عائلة منتشرة جداً في درعا وهذه تهمة كافية لكي ترى نفسك في غرفة ما مزدحمة بالمعتقلين .. الرصاص الطائش .. مرة كنت أمشي في حي الجميلية عندما ضربت رصاصة الواجهة الحديدية لمحل مغلق كنت أمر بجانبه وأصدرت صوت احتكاك مثير للقشعريرة ..

ولكي أتجنب المرور من الحواجز قدر الامكان رسمت لنفسي خط سير محدد يخلوا تقريباً من الشوارع الرئيسية .. كنت مضطراً للسير لمسافة طويلة يومياً لكي أحقق ذلك .. من شارع جانبي لآخر ومن منطقة لأخرى حتى أصل للمكتب وهكذا في وقت العودة .. ها أنا ذا أستفيد من عادتي في المشي الطويل وإلا لما كنت سأقوى على فعل هذا بشكل يومي ..

هل هذا طريق آمن !!؟ .. وهل سيبقى آمناً !؟

هل سأجد في يوم ما حاجزاً في انتظاري ؟

وأتى ذلك اليوم الذي بدأت فيه الصواريخ بالتساقط على المباني في المنطقة التي يقع فيها بيت أهلي الذي كنت أقيم فيه بعد سفرهم واستحالة عودتي الى بيتي الذي أصبح في منطقة مواجهة بين الطرفين ..

لماذا تتساقط تلك الصواريخ على مبان سكنية !؟ ومن كان يطلقها بالتحديد ؟؟ الله وحده أعلم بذلك

هنا أدركت أن المكوث ليوم آخر سيكون ضرباً من الجنون .. كيف سأستطيع الذهاب الى العمل وترك زوجتي وطفلتاي لهذه الظروف العبثية .. وقد كان .

وبعد وصولي الى تركيا بمدة قصيرة بدأ ذلك الكابوس .. كان المشهد يتغير أحياناً ولكن بمضمون واحد .. أنا أمشي في الشوارع المظلمة الخالية من البشر وأحياناً في شوارع فيها بعض البشر في ساعة مغيب .. يظهر أمامي فجأة حاجز في آخر الشارع فأسأل نفسي في دهشة : ألم يكن هذا الشارع خالياً منهم !؟

خطوتين اضافيتين أتذكر بعدها أنني نسيت هويتي في البيت .. رعب عاصف يملئني وأنا أنظر لأفراد الحاجز الذين وقفوا ينظرون باتجاهي .. أقدامي ثقيلة على غير العادة .. أفكر بالهرب .. ولكن كيف بعد أن رأوني ؟ .. يأتيني الجواب بعد أفتح عيناي لأكتشف أنني بعيد والحمد لله عن كل هذا .

ظل هذا الكابوس يزورني طيلة أشهر طويلة بشكل شبه يومي .. ودائما كنت أجرب شعور انعدام الحيلة والرعب من ما سيأتي قريباً جداً .. لم أستطع أن أكتشف في أي مرة من عشرات المرات تلك أنه مجرد كابوس ..

شوارع وبيوت مظلمة يصدر منها أصوات كئيبة لأناس فقدوا الأمل بالمطلق .. هذا جزء حقيقي من كابوس أكبر يومي يجري هناك .. الخراب والحُفر .. العتمة التي لا نهار قبلها ولا بعدها .. السير البطيء وذلك الاكتشاف المرعب الذي يأتي في آخر الكابوس ..

حتى أتت تلك الليلة التي تغير فيها الوضع نوعاً .. التفاصيل نفسها حتى أتت لحظة اكتشافي لنسيان هويتي في البيت .. هنا تقدم العسكري من على الحاجز وأمسك بي وجرني نحو خيمة وضِعت في زاوية الشارع .. مساعد عجوز يجلس داخلها أمسك بسماعة هاتف قديم واتصل بفرع ما كي يأتوا لأخذي .. أنا أجلس داخل الخيمة أنتظر ما سيحدث بعدها عندما استيقظت .. ولم يعد يأتي الكابوس بعدها .. يبدو أنه ملّ من اللعب معي فرحل نحو بائس آخر .

رابط الصورة البارزة

في انتظار الوقت الملائم

نظر ساهماً الى الساعة التي تعدت التاسعة بدقائق قليلة .. هل الوقت ملائم يا ترى !؟

أدار ناظريه نحو النافذة .. الشارع المظلم القليل المارة وأصوات العربات القادمة من بعيد وذلك الضوء المتوهج الذي يأتي من الشارع الرئيسي الغير ظاهر منه إلا حواف المباني المشرفة عليه.

هل الوقت ملائم يا ترى !؟

عاد السؤال يلح على عقله .. أراد أن يهرب من الإجابة فالتقط معطفه وارتداه على عجل وهو يصفق باب البيت خلفه هابطاً على الدرج بخطوات سريعة .

وقف أمام باب المبنى المهترأ .. البرد الخادع المجرد من الرياح الذي يفاجئك بوجوده ويلهب جسدك برعدة أليمة .. ضم معطفه أكثر وهو يسرع الخطا باتجاه الأصوات والأضواء ..

مر من أمام دكان بائع الساعات العجوز .. ورأى من خلال زاوية عينه انعكاسه على واجهة المحل .. ذلك الضوء الأصفر الكئيب المنعكس على وجه صاحب الدكان بطريقة لم تعطي المشهد أي بهجة .. بائع الساعات الذي اختار دكانه كمنفى لا يكاد يخرج منه ولم يره مغلقاً مهما أبكر في الاستيقاظ أو تأخر في الرجوع للبيت ..

الدكان المفتوح دائماً .. هل مات صاحبه منذ زمن ونحن نظنه حياً !؟ .. الدكان عديم الزبائن وصاحبه القابع دائماً على كرسي كأنه مومياء هامدة ..

اقترب من الشارع الرئيسي وبدأ روائح الأطعمة ودخان السجائر بالتسلل إليه .. شعر بهزة قصيرة قادمة من جيب المعطف فمد يده وأمسك الهاتف وألقى نظرة سريعة على الشاشة.

آه !؟ .. لقد نشرت صورة اليوم.

ضغط على التنبيه فسطع ضوء الشاشة وظهرت صورة فتاة تقف على شرفة صغيرة بابتسامة مرهقة .. الصورة عديمة الألوان المشبعة بالتفاصيل التي تراها تارة عيناه ويراها قلبه تارة أخرى .

غمره ضوء الشارع فضيق عينيه قليلاً وشعر ببعض الدوار .. الصمت المطبق الذي خلّفه ورائه بدا كأنه لم يكن إزاء هذا الزحام المهول من البشر الذي لم يُبق مكاناً خالياً لخطواته فأخذ يسير ببطء على تلك المسافة القليلة الفاصلة بين العربات والرصيف .

تأمل وجوه الناس في فضول .. تلك الملامح التي تحاول أن تصمد أمام حقيقة أن الأمور ليست على ما يرام .. الملامح المتصلبة التي تبحث عن إبتسامة ما بلا جدوى .. أحياناً يرى شبح ابتسامة تنبعث من جراء حديث ماتلبث أن تستحيل لمسحة كآبة وكأنها أفرغت البقية الباقية من قدرت تلك الملامح على القيام بفعل الابتسام .

رائحة الحلوى المقلية بالزيت ووهج الدفء نفاذ الرائحة .. ودكان الهدايا الذي علّق قلوب حب حمراء متوهجة بأضواء تخفت وتسطع باستمرار .. لم يبدو له هذا المشهد معبراً عن الحب وخطر له أنه أشبه بلوحة جنائزية ومزار له لا أكثر .. من ذلك البائس الذي يبحث عن الحب في دمى الدببة القطنية وتلك القلوب الكهربائية ..

حب في غرفة إنعاش بلا أمل

هزة سريعة أخرى .. التقط الهاتف بسرعة وفتح الشاشة مباشرة .. ها هي ذي صورة أخرى .. غريب .. لم تعتد أن تنشر أكثر من صورة في اليوم ..

عيناها مغمضتان في عمق وأصابعها متشابكتان بالقرب من عنقها في تنهد طويل وستارة الشرفة تملأ ما تبقى من المشهد .

عاد للتفكير في الهاجس الذي دفعه للخروج من غرفته في هذا الوقت ..

هل الوقت ملائم يا ترى !؟

كان قد وصل الى نهاية الشارع الذي بدأ يتفرع الى شوارع أخرى أضيق وأقل محلات ومارة سرعان ما تضيق أكثر ويُنزع منها ما يغريك بالتسكع والمرور بها .

وقف متردداً لدقائق ثم عقد حاجبيه وسار بسرعة وتصميم نحو إحدى تلك الشوارع الضيقة .. الأضواء الباهتة تتسارع هي الأخرى عبر ملامح وجهه الحادة وطقوس الشارع الصاخبة تتضائل من وراءه ببطء ..

بدأت أصوات التلفاز المختلطة بأحاديث سهرات البيوت بالتسلل الى أسماعه .. همهمات وضحكات وأصوات تعلوا وتنخفض باستمرار .. لمح عمود النور إياه من بعيد فشعر بدفء مفاجىء يملأ قلبه .. ها أنا قد اقتربت جداً ..

لاحت له الشرفة فخفق قلبه مع تسارع خطواته أكثر .. انحرف نحو بقعة مظلمة يمين الشارع .. نظر حوله بحذر عدة مرات ثم أضاء شاشة الهاتف ومرق بسرعة من خلال فتحة جدار الحديقة المتهدم .. وقف خلف الشجرة القابعة في زاوية الحديقة قرب الشرفة ونظر باتجاهها .. مازالت تقف هناك مغمضة العينين وقد استندت يداها على قضبان الحديد المتآكل ..

فتح أحد تطبيقات الدردشة وكتب جملة واحدة وضغط زر الارسال .

أصدر هاتفها تنبيهاً سريعاً ففتحت عيناها بتساؤل ونظرت له بسرعة ثم ابتسمت بدهشة وألقت بصرها نحو الشجرة القابع خلفها .. أضاء شاشة هاتفه نحو وجهه فاتسعت ابتسامتها وهي تكتم ضحكتها ولوحت له بحركة سريعة ..

تبادلا التأمل لدقائق في سكون .. أصوات الصحون والملاعق تقرعان طاولة ما ..

عاد ليكتب عبارة سريعة أخرى وضغط زر الارسال .

أخفضت بصرها مع صوت التنبيه القادم من هاتفها وقرأت تلك العبارة :

هل سيأتي الوقت الملائم في وقت ما !؟

أغمضت عيناها في حزن وأدارت رأسها للخلف عبر الستارة نحو أمها المستلقية بجمود على إحدى الآرائك أمام التلفاز .. نحو والدها العجوز الذي كف عن الكلام منذ زمن طويل .

عادت لتنظر له هازت كتفيها في خيبة وألم ..

لوحت بيدها مرة أخرى وعادت أدراجها نحو الغرفة وأغلقت الباب .

زحام

من بين الذكريات التي تطفو ضمن ذاكرتي كل حين وآخر مشواري الصباحي اليومي باتجاه مكان العمل .. كنت أعمل في مكتب تابع لشركة انتاج خيوط يقع ضمن المدينة القديمة في حلب .. كانت هناك خيارات متعددة للوصول الى هناك وفق نوع المواصلات واتجاه سيرها .

أحد تلك الخيارات هي السير ضمن السوق القديم الذي يبدأ بباب انطاكية وينتهي عند قلعة حلب .. وبالنسبة لشخص يحب المشي كان هذا أحب خيار لي برغم الزحام الذي يجعل السير ضمن هذا الطريق الطويل الذي يمتد لمسافة كيلو متر تقريباً أمراً صعباً .

الطريق المسقوف في أغلبه والذي يحوي على طرفيه كل ما يخطر ببالك من المنتجات .. كل ما يؤكل ويشرب ويلبس ويقتنى ..

الزحام اليومي الذي يحوي مختلف الوجوه والملامح المتفاوتة .. بدءاً من أبناء القرى المحيطة بحلب وانتهاءاً بالسيّاح .. الكثير منهم للدقة وهؤلاء أيضاً كانوا متعددي الملامح بشكل يجعلك تعتقد أن هناك حجاً عالمياً يومياً يحدث هنا باستمرار .. السيّاح أصحاب الأعين الملونة الفضولية التي لا تشبع .. مرة رأيت تجمعاً لهم مع عدد لا بأس به من الكاميرات أمام جزّار شرع في ذبح خروف في أحد زوايا السوق .. ضحك الجزّار متعجباً من ذلك المؤتمر الصحفي الذي يجري أمامه وتابع تقطيعه أوصال الخروف في أبهة وفخر .

ومع توغلك أكثر في السوق تتغير ملامح وأشكال الواجهات الزجاجية وتلك العارية من أي شيء سوى أكوام البضائع .. هناك أصوات بائعين مميزة تخبرك بشكل غير مباشر بإسم السوق الذي تسير به في تلك اللحظة .. أصوات المقرئين الذين يمشون بين الناس لعل هناك من يتذكرهم بشيء يعودون به الى بيوتهم .. وعربات اليد الغادية والرائحة تنقل أكوام من الصناديق أو القماش بهذه الطريقة الملائمة للزحام ..

النساء الذاهبات في مجموعات الى محلات تجهيز العروس وصوت بائع أبو فاس الواقف في أحد زوايا سوق العطّارين ينادي على بضاعته التي تعالج وجع الراس والأضراس .. ذلك البائع الذي توفاه الله فيما بعد وجاء ابنه ليقف في نفس المكان ليبيع علب السجائر المهربة ..

السوق الذي لم يكن يهدأ الى ما بعد هبوط الليل والذي أصبح هادئاً وخاوياً لسنوات عديدة ولأسباب لا تخفى على أحد ..

وكما البشر .. تعيش وتموت الشوارع والأماكن ويسكت الصخب .

رابط الصورة البارزة