عن المبادرة وأهداف السنة

نشرت منذ مدة تدوينة تحوي مبادرة أسميتها ” علمتنا الحياة ” وهي تتلخص بأن يرسل لي من يرغب تدوينة عن الدروس التي تعلمها من الحياة وسأقوم أنا بعد ذلك بتجميعها ونشرها في كتاب تتاح قراءته للجميع .. هناك من استجاب لتلك المبادرة فعلاً وقام .. مشكوراً .. بكتابة تدوينة وأرسل لي الرابط و هناك من أرسلها لي .. مشكوراً هو أيضاً .. عبر البريد الالكتروني .. تجمّع عندي بعدها عدد لا بأس به من تلك التدوينات ولكني ما زلت أطمح الى المزيد لذلك أرجو منك نشر هذه المبادرة بين كل من تعرفهم .. أؤمن أن تلك الدروس ستكون نافعة حقاً وستتحول لأفكاراً وقناعات ومبادئ جديدة ستقبع داخل خلايانا الرمادية بانتظار الوقت المناسب لها .. سأقوم بنشرها إن شاء الله خلال الشهر الحالي وأرجو أن يكتب الله النجاح لهذه التجربة .

على صعيد آخر .. ولأن اليوم هو اليوم الأول في السنة فأنا منذ الصباح أفكر فيما وضعته من أهداف أسعى لتحقيقها من خلالها .. هناك ما هو مستمر معي منذ السنة الماضية كتطوير لغتي الانجليزية .. الواقع أنني لم أتوقف عن ذلك منذ سنوات عدة وكانت مشكلتي الدائمة في العثور على تكتيكات التعلم المناسبة لي وتوفير وقت لذلك .. لذلك قضيت أشهراً طويلة خلال السنة الماضية أغيّر من عاداتي اليومية حتى توقفت عن فعل العديد منها من التي كانت تقضم ساعات نهاري بلا أي فائدة تذكر وهذا ما وفر لي الوقت الكاف لمواصلة تحقيق هذا الهدف بشكل يعطي نتيجة حقيقية .

الهدف الآخر هو البدء بمرحلة ما بعد التعلم بالنسبة لدورة الكتابة لتجربة المستخدم .. أي مرحلة اكتساب الخبرة العملية وصقل المهارات .. أكتسب بعضها فعلاً من خلال الأمثلة العملية التي نقوم بها بشكل جماعي ضمن الجلسات ولكن اكتساب الخبرة يحتاج الى المثابرة والوقت .

هناك أيضاً دورة تعليمية لبرنامج Adobe XD قمت بشرائها من منصة يودمي أسعى لحضورها خلال السنة وهي إحدى المهارات التي يتطلبها اختصاص الكتابة لتجربة المستخدم .

هناك أيضاً هدف تعزيز عادة القراءة اليومية .. سأخصص وقت ما قبل النوم لها بدلاً من مشاهدة فيديوهات على اليوتيوب .. ليس من عادتي أن أضع قائمة قراءة سنوية ولكني سأفعل ذلك هذه السنة لكي أعتبره هدفاً بحد ذاته .. والكتب التالية هي ما ستكوّن تلك القائمة :

– رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر .. عبد الوهاب المسيري رحمه الله .. بدأته منذ سنوات طويلة وأنوي استكماله .

-الأمعاء كنزك في بطنك .. جوليا أندرز.

-أوروبا تاريخ وجيز.. جون هيرست.

-رجال ريا وسكينة .. سيرة اجتماعية وسياسية .. صلاح عيسى رحمه الله .. بدأت بقراءته أيضاً السنة الماضية.

-موجز تاريخ كل شيء تقريباً .. بل برايسون .

-مغامرات هاكلبري فن .. مارك توين .


كنت أفكر بشراء جهاز كيندل لتجربة قراءة أكثر راحة ولكني أملك أي باد ولا أريد أن أتشتت بين أجهزة القراءة المختلفة فقررت في النهاية أن أشتري نسخاً ورقية من الكتب العربية قدر المستطاع وأن أبقي القراءة الالكترونية للكتب الانجليزية عن طريق الأي باد وهذا أوفر للمال والوقت لأنه يسهل لي عملية ترجمة الكلمات التي أجهل معناها.

هناك هدف سأبدأ به خلال النصف الثاني من السنة إن شاء الله وهو مشروع رواية جديدة بنمط وفكرة مختلفان عما كتبت من قبل .. أرجو من الله التوفيق .

هذا ما أسعى لتحقيقه خلال السنة الحالية .. كتبتها في تدوينة لعل هذا يشكل حافزاً لي على إتمامها .. وبكل الأحوال أعتبر أن أكبر مكسب ممكن هو ملأ الوقت بأفعال ترفع من مهارتك وقيمتك في الحياة وتطور من تفكيرك وتقديرك للأمور بحيث تصل لآخر النهار وأنت مفعم بشعور إيجابي منعش بأنك لم تضع وقتك سدى.

رابط الصورة البارزة

أحاديث آخر السنة

هذا آخر يوم في السنة .. تلك السنة التي لا يختلف اثنين في أنها كانت خارجة عن المألوف وأثرت على كل شخص في هذا الكوكب .. الخوف من العدوى والحجر وارتداء الكمامات وأمور أخرى حدثت وتحدث لا نعلم أي شيء عن أغلبها .. الناس عادة لا تفرق بين الأحداث المركزية التي لا تصلنا في الغالب أي معلومات عنها وبين تلك التي هي مجرد ارتدادات لا أكثر .. يحدث هذا لأن قنوات الأخبار التجارية .. وهي في المطلق كذلك .. هي من تحدد أهمية الخبر وفق ما تمليه عليها جهة التمويل ..

دعونا من كل هذا .. أريد التحدث هنا عما جرى في هذه السنة من المنظور الشخصي وليس بهذا الاتجاه الذي لا تكفي مجلدات للحديث عنه .

بالنسبة لي كانت هذه السنة مميزة حقاً .. أمور عديدة حدثت منها ما هو محزن ومنها ما هو محبط ومنها من هو إيجابي .. لماذا ذكرت كلمة إيجابي في النهاية !؟

الواقع أن هذه إحدى طباعنا نحن البشر .. نحب التكلم عن أوجاعنا وهمومنا ومخاوفنا ونصمت إزاء المكاسب واللحظات الجميلة ..

هناك من سيسألني بخبث عن أولئك المحسنين الذين يشاركون الناس بلحظاتهم اليومية الجميلة بدءاً من شفاءهم من إمساكهم المزمن وانتهاءاً برحلاتهم لشتى بقاع الأرض ..

الواقع أن هذه ليست مشاركة بقدر ما هي نوع من التفاخر الذي يأتي غالباً بعد حرمان .. كان هناك موظف في شركة كنت أعمل بها لا يكف عن تصوير نفسه عشرات المرات أثناء النهار ولا عن الحديث عن الأحذية والساعات والملابس التي يقتنيها باستمرار وهناك آخر ذكر مرة بزهو أنه يقوم بأكل اللحوم كل يوم !! أصابتني وقتها نوبة من الضحك فالكائنات التي تقوم بأكل اللحوم كل يوم معروفة وقد شبّه نفسه ذلك الأحمق بها .

لنترك الحديث عن هذا الموضوع الى وقت آخر .. بالنسبة لي كان أكثر الأمور الايجابية التي حدثت خلال السنة هي مسألة العمل عن بعد لأنها أبعدتني عن روتين الذهاب الى العمل اليومي ووفرت علي الوقت والجهد والمال وأعطتني جو من الهدوء والتركيز .. ولأني بطبعي أميل الى الهدوء والعزلة فلم يؤثر علي البقاء في المنزل في أوقات الحجر بشكل كبير .. ما كنت أفتقده هو نزهاتي المسائية وهوايتي في السير الطويل التي لم أكن أستطيع في أوقات كثيرة القيام بها بسبب مواعيد الحظر .

هذا التغيير في نظام حياتي اليومي أعطاني الوقت والجو اللازم للتفكير في أمور كثيرة وتحديد أولويات يومية مختلفة وجعلني أتخلص من عادات سلبية عديدة كانت تشكل بالنسبة لي مصادر للتشويش .. بالمختصر غيّر التباعد الاجتماعي طريقة رؤيتي للأمور بشكل كبير .. وكمثال عملي أصبحت أكثر قرباً من عادة القراءة أكثر من قبل .. هناك أيضاً أمور أخرى لم تكتمل بعد سأتكلم عنها في وقت ما إن شاء الله .

خلال هذه السنة قمت بإنهاء ونشر روايتي الأولى : حكايا رحمي فؤاد التي بدأتها في منتصف عام 2019 وقمت بكتابة مجموعتي القصصية : يوم كنا نمشي على الطريق .. حاولت أن أجد ناشراً لهما بلا جدوى لذلك أتحتهما مجاناً للقراءة .. الكاتب يحب أن يقرأ الناس ما يكتبه حتى إن كان هذا بالمجان .. قد أستطيع يوماً ما نشر كتبي القادمة عن طريق دار نشر ما وقد لا أستطيع .. لكن بكل الأحوال ليست كل المكاسب مادية .. وبالنتيجة يستحق بطل روايتي وأبطال مجموعتي القصصية أن لا يبقوا داخل ملف ما بانتظار فرصة نشر وانتشار ورقي قد لا تأتي أبداً .. مرة سألني أحد الأصدقاء عن هدفي من الكتابة .. أجبته بعدة أهداف أحدها أن اكتمال فكرة قصة ما في عقل الكاتب ستدفع أبطالها للدق باستمرار على باب الخروج وسيجد الكاتب نفسه يمسك قلماً أو يفتح ملفاً نصياً جديداً ويبدأ بالكتابة .. وهذا ما فعله رحمي فؤاد وباقي الأعزاء الذين هم ليسوا من لحم ودم للأسف .

وعدت خلالها للتدوين .. أنشأت هذه المدونة وبدأت ولدي نية أن لا أتوقف الى ما شاء الله .. التدوين من أكثر نشاطات الشبكة جمالاً .. تتعرف من خلاله على أشخاص مميزين وتقترب منهم بقراءتك تدويناتهم وتشعر بالعواطف البشرية المختلفة التي تعطي بعض الدفء حتى لتلك الكابلات البحرية البالغة البرودة .

وخلالها أيضاً بدأت بتطوير لغتي الانجليزية .. شكراً لمن شجعني على ذلك .. أحاول الاستماع يومياً لبودكستات منوعة وبدأت بقراءة بعض القصص ذات الاسلوب غير المعقد .. مرة قال لنا محاضر اللغة الانجليزية الجميل الأستاذ نضال عجاج أن تعلمك لهذه اللغة هو بمثابة امتلاكك لمفتاح ذهبي تستطيع من خلاله الوصول لعشرات الفرص والمجالات ..

وخلالها أيضاً إلتحقت بدورة الكتابة لتجربة المستخدم بالعربية التي يقدمها الأستاذ والصديق محمود عبد ربه .. وهي مازالت مستمرة حتى الآن .. اختصاص جديد وممتع وأسلوب إعطاء جميل .. ستكون هناك تدوينة كاملة إن شاء الله بعد أن تنتهي الدورة وهنا تدوينة كتبتُ فيها جزء من تجربتي بهذا الصدد.

كانت سنة مميزة حقاً وأعتبرها سنة تغيير على المستوى الشخصي بامتياز .. سنة التفكير والبعد عن ضجيج والمفرزات السلبية للبشر .. وهي سنة أدركت فيها أنني كنت جاهلاً عن حقيقة بعض من كنت قد أفسحت لهم مكاناً في قلبي ووقتي ويومي .. ولكن برغم كل شيء يكون الوجع والاحباط مقدمة لمرحلة إيجابية لاحقة ستأتي في حال قررت أن تنفض عن ذهنك كل التفكير فيما جرى وما حدث وتنظر للأمام فقط .. التخلص من التفكير السلبي ليس أمراً سهلاً ويحتاج لجهد ووقت لتحقيقه .. لكنك ستحصل على نتيجة لو أردت ذلك فعلاً .

هل أنا سعيد لأنها انتهت ؟ .. الإجابة هي لا لأنه برغم سلبياتها فهي تعبر بالنهاية على أن هناك قدر من الوقت قد نقص من أعمارنا المحدودة .. وعِبرة لكي تظل تلك الحقيقة معيار لنا عند التفكير بما يجب أن يتم إنجازه لاحقاً .

أرجو من الله لي ولكم سنة كلها بركة وخير وابتعاد عن الشر والهموم.

رابط الصورة البارزة

مشروع مصروف الجيب

من النادر أن تجد شخص لا يملك قائمة أمنيات ما مكتوبة ضمن ملف موجود على حاسبه أو على ورقة يضعها في مكان ما في المكتب .. قد تكون بضع ورقات كتبها خلال فترات مختلفة ونسي أين وضعها .. قد تكون مجرد أفكار ثابتة في الذاكرة تلحّ عليه كل فترة فيسكتها برفق هامساً لنفسه بأن الوقت غير مناسب لها.

هذا شيء مفهوم .. الأعباء المادية تفرض نفسها دائماً وهناك من الأماني ما قد يعيش معك حتى شيخوختك .. في صغري كانت هناك لعبة اشتراها لي أبي ويبدو أنني حطمتها وهي عبارة عن قطار يعمل على البطارية وسكّة دائرية كبيرة تقوم بتركيبها بنفسك ثم تضعه عليها وتشغله ويبدأ بعدها بالسير على القضبان محاولاً محاكاة الصوت الحقيقي .. رغبت لسنوات طويلة باقتناءها مرة أخرى كنوع من الزينة على الأقل وبحثت عنه بشكل جدّي في سنوات سوريا ولكن يبدو أنهم لم يعودوا يستوردوا هذا النوع وبدلاً منه وجدت قطارات رديئة الصنع وبلا سكّة أيضاً.

لن تستطيع اقتناء كل ما ترغب به بطبيعة الحال .. منذ بضعة أيام خطرت لي فكرة لا أعتقد أنها أصيلة جداً ولا بد أن هناك من انتابته ربما بأشكال مختلفة ..

لماذا لا أبحث عن مشروع لمصروف الجيب ؟

الفكرة هي كالآتي : عادة ترتبط كلمة ” مشروع ” بالأعمال ذات المردودات الكبيرة التي تكفي نسبياً لقضاء المصاريف بشكل كامل .. ولكن ماذا عن مشروع صغير لا يحتاج لجهد أو وقت كبير .. ساعة مثلاً كل يوم وعوائد قليلة تتجمع خلال الشهر لتكوّن مبلغاً صغيراً يكفي لتحقيق أمنية واحدة .. أتحدث هنا عن تلك الأمنيات المتعلقة باقتناء الكتب .. قضاء يوم خارج المنزل من دون التفكير بذلك المبلغ الذي سيقتطع من مصروف المنزل .. شراء تلسكوب ومراقبة النجوم .. شراء مكتب يصلح لمساحة عمل يحتوي على مكان لمكتبة ..

هناك الكثير من الأمثلة التي قد تخطر لكم بهذا الصدد .. كلٌّ وفق أمانيه ..

قد تتطلب منك أمنية واحدة الانتظار بضعة أشهر لكي يتجمع المبلغ الكافي لها .. لا بأس بذلك أنت بدأت فعلاً .. هكذا ستستطيع تحقيق تلك الأمنيات الصغيرة الحجم التي ستولّد لك قدراً كبيراً من السعادة والإيجابية من دون انتظار الوقت المناسب لها والذي لن يأتي غالباً .. الوقت يمضي بسرعة وستكتشف بعد قليل أن القطار الذي حلمت بشراءه زمان قد اختفى من الأسواق وجاء بدل منه ذلك الذي بلا سكّة ..

فعلياً ما هو الشيء الذي نستطيع فعله ضمن هذه الشروط ونستطيع أن نطلق عليه : مشروع مصروف الجيب ؟

الواقع أنني لم أصل لإجابة عن هذا السؤال بعد .. ما زالت الفكرة طازجة في عقلي ولم تختمر .. ولكني أراها مغرية حقاً وتستحق أن توضع في محل التطبيق.

إجابات !!

استيقظ حمدي ذات صباح وهو يشعر بصداع أليم في رأسه .. ولكي يتأكد أكثر نظر نحو النافذة واستنتج بعدها أنه صباح فعلاً .. لذلك شرع في ممارسة هوايته الصباحية المحببة في حكّ شعره وجسمه في نشاط كأي قط يحترم نفسه .. تأمل تفاصيل الغرفة القليلة في عينين نصف مغمضتين في اللحظة التي اكتشف وجود سؤال ما في عقله ..

في البداية لم يلتفت له كثيراً وتعامل معه باعتباره كائناً دخيلاً لن يلبث أن يبتعد لمكان ما .. كان حمدي فضولياً بطبعه ويحب أن يراقب ويتساءل ولكن يبدو أن السؤال الذي وجده في عقله لم يكن من تلك النوعية التافهة من الأسئلة التي يحب أن تتواجد فيه دائماً ..

اكتشف حمدي بعد دقائق أن السؤال لا يزال عالقاً في عقله .. بل ولم يكن يسمح لأي سؤال آخر بالتواجد معه .. أسئلة من النوعية المحببة لحمدي .. ماذا سآكل الآن وماذا يحدث في المقهى وهل سيموت البطل في نهاية المسلسل أو سيأخذونه إلى المصحة العقلية وهل سيصدر موسم ثاني وماذا يوجد وراء الشباك الذي سمع من ورائه ليلاً ضحكة أنثوية ناعمة ؟؟

يا لوقاحته !! ..

حاول طرده مراراً ولم يفلح بذلك .. وقف في وسط الغرفة وبدأ في الرقص والغناء لعله يصاب بالاشمئزاز ويرحل .. الذي حدث أنه بدأ ينظر له في سخرية وتحدي وازداد حجمه أكثر وهمس له في ثقة :

– لن أذهب قبل أن تحصل لي على إجابة.

كلامه هذا أصاب حمدي بالذعر .. سيخرّب هذا الأحمق عقلي الجميل ولن يعود مثلما كان .

فكر حمدي بفتح الحاسوب والبحث في غوغل عن إجابة لذلك المأفون ولكنه اكتشف أنهم لم يخترعوا الحاسوب بعد .. نظر حوله ولمح لوح خشب عريض قابع في إحدى زوايا الغرفة

ما الذي يفعله لوح خشب في غرفة النوم !؟ .. لم يتوقف أمام هذا السؤال كثيراً خشيت أن يصبحوا إثنين وتقع الطامة الكبرى .. أمسك بلوح الخشب وكتب السؤال عليه ثم ارتدى ثيابه بعدها والتقط اللوح ونزل بسرعة نحو الشارع ..

هناك وقف يدقق في ملامح الواقفين والسائرين .. هل يسأل عم رياض بائع الدراجات ؟ .. لا أعتقد أنه سيفهم السؤال فضلاً عن أن يستطيع الإجابة عليه ..

هل يسأل زكريا ؟ يا زين من اخترت !!

آآآآآه معلم المدرسة .. أين هو يا تُرَى .. رد عليه السؤال وهو يضحك ساخراً :

– أين سيكون معلم المدرسة في الساعة العاشرة من صباح يوم الإثنين !؟ .. في المدرسة يا أحمق .

اتجه حمدي نحو المدرسة وهو يلعن الساعة التي ابتلي بها بهذا السؤال الذي يملك جميع الإجابات في الدنيا إلا الإجابة عليه هو شخصياً .. دخل الى المدرسة بعد أن جف حلقه وهو يقنع الحارس بأن هناك أسباب قوية لدخوله للمدرسة ورؤيته للمعلم في هذا الوقت .. ركض نحو الفصل وفتح الباب وقال للمعلم وهو يشير لاهثاً نحو لوح الخشب:

-هل تعرف إجابة هذا السؤال يا حضرة المعلم ؟

نظر المعلم نحوه في دهشة على حين ضج الطلاب بالضحك بصوت عال .. التفت المعلم وأسكتهم بصوت غاضب ثم عاد ليلتفت نحو حمدي وقال له وهو يضغط على أعصابه :

-لست مختصاً بهذا النوع من الأسئلة .. اذهب إلى مدير المدرسة واسأله ؟

-ولكنك شخص مثقف وتعرف في هذه الأمور فكيف !؟

قاطعه المعلم بصرامة قائلاً :

-هذا كلام فارغ .. اذهب واسأل مدير المدرسة .

استدار حمدي وهو يغمغم بكلمات مبهمة واتجه نحو غرفة المدير الذي كان يتحدث في الهاتف مع شخص ما .. وقف حمدي ينتظر نهاية المكالمة في صبر نافذ .. كان مدير المدرسة يحاول إقناع شخص بشيء ما بلا جدوى ويعيد نفس العبارات والجمل مراراً لدرجة أصابت حمدي بالجنون ولكنه لم يستطع فعل شيء أمام نظرات المدير المتوعدة .

انتهت المكالمة بعد ربع ساعة كانت كفيلة بتحطيم أعصاب حمدي تماماً فأسرع ورفع اللوح أمام وجه المدير وقال بسرعة :

-هل أجد عندك إجابة على هذا السؤال حضرة المدير .

نظر المدير للوح الخشب ثم إلى حمدي وقال بهدوء :

-لا يوجد عندي إجابة لهذا السؤال يا حضرة المواطن ذو اللوح.

ثم شرد قليلاً وقال :

-أعتقد أني أعرف من يستطيع الإجابة عليه .. اذهب لعند أمين المكتبة .. هو مختص بهذه الأمور.

غادر حمدي مكتب المدير وهو يشعر بدهشة مع ملعقتين من الحُنق .. كان يحسب أن أي شخص متعلم سيستطيع الإجابة على أي سؤال .. والآن هو يُرمى من شخص لشخص من دون أن يتفضل أي شخص منهم ويجيبه على ذلك السؤال اللعين الملتصق بعقله .. وصل إلى غرفة أمين المكتبة ودخلها بسرعة وتلفت حوله فشاهد مكتباً صغيراً في أقصى زاوية في الغرفة .. اقترب أكثر فلمح عجوزاً هزيلاً ينظر له بعينين ذابلتين ..

رفع حمدي لوح الخشب وقربه نحو العجوز وسأله بلهفة :

-هل تعرف إجابة هذا السؤال ؟

نظر العجوز إلى اللوح طويلاً ثم إلى حمدي ثم بدأ يقول الإجابة بصوت مبحوح ..

بعد أن انتهى العجوز من الكلام تأمل حمدي السؤال بدهشة ثم سأله :

-هل هذه إجابتك !؟

هز السؤال رأسه في حبور وقال :

-نعم هذه هي .. أستطيع الآن والحمد لله أن أغادر عقلك الفارغ هذا .

ولا تسألني عن شعور حمدي بعد أن غادر السؤال عقله .. كانت لحظات صعبة عليه حقاً ولكن كما هي الدنيا لا بد أن ينتهي أي شيء في لحظة ما وعليك أن تتأكد أن حمدي لم يشعر بأي أسف على مغادرة السؤال لعقله .. رمى لوح الخشب جانباً في إهمال بينما سأله أمين المكتبة :

-من أين جئت بهذا السؤال .. لا يبدو عليك أنك من تلك النوعية من الناس التي تهتم بهذه الأمور .

-لا أعلم .. استيقظت ووجدته في عقلي من دون استئذان .

-ماذا فعلت أو رأيت قبل أن تنام ؟

هنا تجمد حمدي وهو يتذكر ..

الظلام وصوت مجهول ما يأتي من الخارج .. هو يتقلب على فراشه بعد أن  صحا فجأة ولم يستطع النوم .. شعر بالعطش وأراد الذَّهاب ليشرب ولكنه أصيب بالخوف من ذلك الصوت المبهم فمد يده وضغط زر تشغيل التلفاز وبدأت معالم الغرفة بالظهور مع أصوات غناء ومشاهد رقص .. أعاد جهاز التحكم للطاولة ولكن يبدو أنه ضغط زراً عن غير قصد فتغيرت القناة وبدأت مشاهد ما بالظهور مع صوت رصين يشرح ما هناك .. العطش الذي يلهب حلقه منعه من أن يلتفت لما جرى فذهب وشرب بعض الماء وعاد لينام كجثة هامدة من دون أن يطفأ التلفاز الذي استمر في عرض تلك المشاهد مع ذلك الصوت الرصين.

كانت غلطة من ذلك النوع الذي نستهين به عادة ويسبب لنا الكثير من المتاعب فيما بعد

وبالنسبة لحمدي .. كانت تلك ساعة الغفلة التي جاءته في هذه الظروف الغير اعتيادية

…………………………………..

-أنت أدرت التلفاز نحو قناة وثائقية ونمت .. الآن فهمت كيف وصل هذا السؤال عالي الجودة إلى عقلك .

هز حمدي رأسه في فهم قائلاً :

– سأحذف هذه القناة من التلفاز بمجرد عودتي للمنزل.

ثم نظر لأمين المكتبة العجوز وسأله :

-لماذا لم يريحني معلم المدرسة منذ البداية وأجابني على سؤالي بدلاً من أن يتركني أنتقل من مكتب لمكتب حتى وجدتك ؟

-ببساطة لأنه غير مختص ولا يعرف الإجابة .

-كيف !؟ .. هو معلم مدرسة أي أنه شخص مثقف ويجب أن يفهم في كل شيء.

ضحك أمين المكتبة العجوز وقال بصوته المبحوح :

-وما عَلاقة التعليم بالثقافة وما عَلاقة كل هذا بالتخصص!؟ يكفيه أنه لم يجبك بأي إجابة وتركك بعدها تعاني مع سؤالك الذي لن يخرج عندها من عقلك أبداً .

نفخ حمدي في ضيق ثم قال :

-عموماً لا مشكلة .. لقد عرفت الآن لمن سأذهب إذا علِق بعقلي .. لا سمح الله .. سؤال آخر .

عاد أمين المكتبة العجوز للضحك وقال :

-إذا كنت تقصدني أنا فللأسف لا أضمن لك أبداً أن تجد إجابة عندي في كل مرة .

هز حمدي كتفيه في إحباط وغمغم :

-متى سيأتي اليوم الذي يستطيع فيه أي شخص الإجابة عن أي سؤال !؟

حدجه أمين المكتبة العجوز بنظرة ساخرة وقال بهدوء :

– إذا امتد العمر بك سترى الناس يمتلكون هاتفاً صغيراً من دون سلك يأخذونه معهم أينما ذهبوا حتى عندما يذهبون للنوم .. بفضل هذا الجهاز سيرون أشياء كثيرة وسيظنون أنهم قد أصبحوا يعلمون كل شيء .. عن طريق هذا الجهاز وأشباهه سيتمكنون من الإجابة على أي سؤال في أي علم حتى إن كانوا لا يملكون أي خلفية عنه .. سترى مواقع مخصصة لطرح الأسئلة يجيب فيها عن سؤال يتعلق بتعاليم الدين مبرمج أندرويد غير متخصص بأي علم من علومه ولا حتى في علوم اللغة .. سترى إجابات متعارضة لنفس السؤال وستتمنى لو كنت لم تسأله من الأساس .. سيكون مبدأ الأمانة والمسؤولية في الإجابة على الأسئلة قد أصبح في خبر كان .. عندها لن تضطر لكتابة سؤالك على لوح من الخشب والبحث من مكان لمكان عن إجابته .. غالباً لن يجد ذلك السؤال مكاناً وَسْط الغبار العالق في عقلك ليبقى فيه حتى تبحث له عن إجابة .

-لم أفهم شيئاً مما قلته !!

-لا عليك .. اذهب واحذف تلك القناة من تلفازك واترك كأس ماء بجانبك قبل النوم .. هكذا ستصبح الحياة سهلة ولن تضطر إلى النهوض في الليل .. وأنت حقاً لا تريد النهوض .. عندها سيحدث لك ما حدث مرة أخرى .. وأنت لا تريد ذلك .. أليس كذلك يا حمدي ؟؟

رابط الصورة البارزة

الكتب لمن يملكها

أحب كثيراً ميزة تصفح بضع صفحات من بداية الكتاب التي توفرها خدمة “google books” و “kindle” على حد سواء ..هكذا تستطيع أخذ قرار الشراء وأنت تعرف ما أنت مقدم على قراءته ..

زمان قبل وجود هذه الخدمات الالكترونية وقبل وجود خدمة الانترنت نفسها كانت تتاح لي هذه التجربة مرة واحدة في السنة في معرض الكتاب الذي كان يقام في جامعة حلب .. كانت صالة المعرض كبيرة حقاً ومليئة بالكتب .. هناك بدأت أكتشف وجود كتب لتعليم التقنية بأنواعها المختلفة .. تلك الكتب كنت التي لا أجرؤ على التفكير بشرائها لأن ثمن الواحد منها يساوي نصف راتب موظف حكومي .. لذلك كنت أكتفي بتصفحها وكان يُسمح بذلك وهذا شيء جميل .. هناك عرفت أن السواقات الليزرية لحواسيب ماك تصدر صوتاً مثل صوت القيء عند فتحها 🙂 !!

وبعيداً عن كتب التقنية الضخمة الحجم كان هناك كتب نجحتُ في إنهائها من دون أن أشتريها .. فقط كنت أزور المعرض بشكل يومي وأقف لأتصفح كل منها لربع ساعة مثلاً .. فيما بعد سيصبح هذا أكثر سهولة عندما دخلنا في عصر قرصنة الكتب بهيئتها الالكترونية .. لم يكن أحد ليعبأ بذلك فلم يكن هناك أقسام ولا موظفين يرمقون الزائرين بصرامة .. كانت المراقبة تتم عن بعد وقد تجد من يطلب تفتيشك إن لاحظ ما يريب .

بالعودة الى ميزة تصفح الكتب في خدمات شراء الكتب الالكترونية .. قبل عدة أيام كنت أتفحص أحد الكتب ولفت نظري عبارة مكتوب في ثاني صفحة تدعو القارئ الى شراء نسخة إضافية لكل شخص يرغب في مشاركته الكتاب وأنه لا يمكن بيعه واعطائه لأشخاص آخرين لأن المؤلف عمله شاق !! ..

أتفهم تعب المؤلف طبعاً فـأنا ألفت رواية ومجموعة قصصية وخضت تجربة هذا التعب ولكن أن تفرض على من يشتري الكتاب أن لا يعيره لأحد فهذا أمر أراه مثيراً للسخرية لأنه ببساطة أصبح مالكاً للكتاب ويحق له أن يتصرف بما يملك كما يرغب هو .. أنا لا أتحدث هنا عن سرقة حقوق الملكية فالنص ملك لمن كتبه ولكن الكتاب أيضاً ملك لمن يشتريه ولا يستطيع أحد أن يتحكم بمن سيقرأه ولا أن يفرضها كقضية أخلاقية ..

في العموم لا يرغب أصحاب الكتب بإعارة كتبهم للآخرين وهذه نزعة لا ألومهم عليها ففي الغالب يعود الكتاب لك وقد أكل الزمان عليه وشرب بل وقام بفعل آخر أخجل من ذكره 🙂 .. وإعارة الكتب الالكترونية العربية غير متاحة غالباً .. كان فرزت العزيز يود اعارتي كتاباً من كيندل واكتشف هذه الحقيقة واكتشفتها أنا أيضاً باكتشافه .. بعد كل هذا لم يخاف الناشر من قضية اعارة الكتب وهي لا تحصل إلا نادراً ..

الناشر عموماً لا يخاف فقط من هذه القضية .. هو يخاف من أي شيء غير مضمون فلا ينشر إلا الكتب ذات الأسماء المعروفة لذلك لا ترسل أي كتاب للنشر اذا لم تكن اسماً معروفاً ولا تسألني كيف سأصبح معروفاً إن لم ينشر لي أحد ما كتاباً .. هذه مشكلتك يا عزيزي .. عموماً تستطيع أن تحدث أكبر قدر من الجلبة والتفاهة على أحد منصات التواصل الاجتماعي .. تكلم عن الترندات وعن الأشياء الرائجة .. كنّ نسوياً أو كوني نسوية وصب جام غضبك على تصرفات البشر الذين لا يتابعونك أساساً .. تنمّر واحرص على الوقاحة وطول اللسان .. ستصبح معروفاً جداً وسيرغب أي ناشر بنشر أي هراء ستكتبه .. لا يهم ذلك بالنسبة له ما دمت تملك جمهوراً مستعداً للشراء من أجل عينيك فقط .

رابط الصورة البارزة