الذي كتب ليبقى

يصادف اليوم الذكرى الثالثة لوفاة الدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله .. تمر الأيام بسرعة كعادتها والذي كان بيننا يصبح فجأة غير موجود ليتحول شيئاً فشيئاً الى ذكرى خافتة، لكن بالنسبة لي لا أظن أن دكتور أحمد سيصبح ذكرى خافتة بنفس الطريقة النمطية ومازالت حقيقة وفاته تثير في نفسي إيقاعات حزن مختلفة تبعاً لأكوام من ذكرياتي المتعلقة به بشكل أو بآخر منذ تصفحت في فضول حلقة الرعب الأولى في منتصف التسعينات الى آخر رواية أو مقالة قرأتها له .. الواقع أني أحاول باستمرار عدم الوصول الى اللحظة التي أسلم بها أنني قرأت كل شيء كتبه .. الاحتفاظ ببعض الحلوى الباقية في قعر المرطبان حتى آخر رمق .

لم يكن دكتور أحمد رحمه الله مجرد كاتب قدر له أن يكتب في نفس الفترة الزمنية التي أعيش بها .. هناك جيل كامل كبر على رواياته ومقالاته .. جيل تعلم كيف ينظر الى الحياة من الشباك الذي فتحه دكتور أحمد على مصراعيه .. لم يكن مجرد كاتب عابر .. لقد كتب ليبقى.

بين الثلاثية

انتهيت البارحة من قراءة ثلاثية نجيب محفوظ وهي لمن لا يعلم ملحمة روائية مكونة من ثلاثة أجزاء : بين القصرين – قصر الشوق – السكرية .. الطبعة التي قرأتها هي الطبعة رقم : 12 لدار الشروق .. عدد صفحاتها : 1500 صفحة تقريباً .

بدأت علاقتي بكتابات نجيب محفوظ منذ نحو ستة وعشرين سنة .. كنت وقتها في الثالثة عشر من عمري تقريباً على ما أذكرعندما وقعت في يدي روايته “بداية ونهاية” .. كانت أول رواية أقرأها ولا زلت أذكر تفاصيل عديدة منها .. قرأت له فيما بعد روايات وقصص قصيرة عديدة وبعض الكتب عنه وعن شلة الحرافيش والمجالس التي كان يعقدها في العديد من المقاهي لمدة طويلة من الزمن .. لكني كنت أتهيب قراءة الثلاثية بالذات لأنها طويلة وتحتاج لوقت وتفرغ وهذا ما تحقق لي مؤخراً عندما قررت أن تكون القراءة اليومية عادة ثابتة لي ورأيت أن قراءة رواية تستغرق وقتاً هي أفضل سبيل لتحقيق ذلك فخطرت لي الثلاثية فاشتريت الاصدار الورقي وبدأت بها منذ أقل من شهر حتى مساء البارحة .

الحق أنني استمتعت بها كثيرة ونجحت في جذبي بعد بضعة صفحات بحيث كنت أستعجل الوقت أحياناً لكي يأتي الليل وأعود للغوص في ما جرى عبر السنين وبين الأحياء والبائعين والمظاهرات ورصاص المحتلين .. الثلاثية لا تمثل فقط تاريخ شخوصها بل جزء حيوي وحاسم من تاريخ مصر .. ونجيب محفوظ يعرف تماماً كيف يجعلك تسير بلا عناء في حارات القاهرة القديمة التي رآها من رآها بعينيه ورأيتها أنا بقلبي .

ما سأكتبه هنا هو ليس مراجعة بقدر ما هو انطباعي عن الشخصيات الرئيسية .. الثلاثية هي أضخم وأكثر عمقاً بكثير من أن تلخص بمراجعة أو بمجرد مقالة.

تتحدث الثلاثية عن أحمد عبد الجواد صاحب دكان البقالة الذي يقع في منطقة النحاسين وعائلته المكونة من الزوجة أمينة والأبناء ياسين الذي هو نتاج زيجة سابقة وفهمي وخديجة وعائشة وكمال .. تكتيك الكتابة الذي اتبعه نجيب محفوظ هو التركيز المطلق على العائلة فقط بحيث نتعرف على جميع الشخصيات التي حولها من خلال وجهات نظرها هي بحيث يتحدث كل فصل عن أحد الوقائع التي حصلت لفرد من العائلة أو للعائلة كلها عندما تكون هناك مناسبة زواج أو طلاق أو موت .

تكتيك الكتابة هذا جعل من جميع أفراد العائلة أبطالاً للرواية ولكن من الممكن أن نعتبر الأب هو الشخصية الرئيسية الى حد ما .. أحمد عبد الجواد الصارم لدرجة التزمت في بيته الذي أجبر كل فرد فيه على احترامه من بوابة الخوف الواسعة .. أحمد عبد الجواد الذي يمثل التناقض الصارخ بين شخصيته الشمولية في البيت وشخصيته العابثة المرحة في سهراته اليومية مع شلته في بيوت العوالم والمغنيات .. تلك الشخصيات الغربية التي تظن أن الخوف والضرب هو مصدر التربية السليمة من دون الحاجة لأي فعل آخر .. والنتيجة أن أغلب أولاده الذكور قد استحالوا نسخاً مشوهة منه فيما بعد .. نسخ لا احترام لها لمفهوم الأسرة والزواج والحياة المحترمة .. أحمد عبد الجواد الذي تجاهل حقيقة ما يفعله الزمن بالإنسان فكان أن استحال بعد قوته لهرم عجوز لم يتحمل جهد النزول لملجأ أثناء غارة أثناء الحرب العالمية الثانية وعاد الى بيته ليموت .

أمينة زوجته القانعة الوديعة لدرجة سلبية جداً والتي تشجعت مرة أثناء سفر أحمد عبد الجواد وذهبت خلسة مع أصغر أبناءها الى مسجد الحسين لتدهمها عربة أثناء عودتها وتصيبها بكسر وتوقعها بمصيبة كشف جريمة خروجها من المنزل من دون إذن أحمد عبد الجواد التي لم تجرأ أن تكذب عليه عندما سألها بصرامة عما جرى .. هذه الحادثة تلخص شخصيتها بشكل جيد .. أمينة البسيطة الذي كان الدين بالنسبة لها هو زيارة الأضرحة وما سمعته من حكاوي ودروس وما يخبرها ابنها الأصغر كمال عندما يعود من المدرسة.

ياسين الشهواني الذي خلّفت نشأته مع أمه المطلقة ندوباً نفسية كبيرة حقد وكره من خلالها أمه قبل أن يفعل فيما بعد ما يفوق ما كانت تفعله بمراحل متعلل بشتى الحجج .. ياسين الذي لا يرسى على زوجة والتي شكمته في النهاية زنوبة العوادة التي كانت على علاقة به وبأبيه .. زنوبة التي اعتزلت حياة العوالم لحياة ربة المنزل المحترمة والتي أعتبرها أحد الرابحين القلائل هنا.

خديجة صاحبة الوجه الغير جميل واللسان السليط التي تزوجها أحد أبناء عائلة شوكت بعد أن تزوجت أختها الأخ الآخر .. الحانقة أبداً على حماتها المنجبة لعبد المنعم وأحمد الذين انتهى بهم الأمر الى المعتقل لأن أحدهم من الإخوان والآخر ماركسياً .

فهمي طالب المحاماة المجتهد الذي أحب مريم وفاتح أباه بالزواج فكان الرفض إرادته العليا .. وكان موعده أن يكون أول المغادرين بعد رصاصة غادرة من الجنود الانجليز أثناء ثورة 1919 .

عائشة الفتاة الجميلة المدللة المتزوجة أولاً والتي ابتليت بفقدان زوجها وأبناءها تباعاً حتى تحولت الى ما يشبه الجثة القابعة في المنزل .. جثة خالية من الأسنان لا تكف عن التدخين والإبتعاد عن السكرية حيث كانت حياة الهناء المفقودة .

بقي لدينا كمال .. بصراحة لم تنجح شخصية قصصية في إثارة غيظي من سلبيتها وغبائها أكثر منه .. كمال الذي نشأ نشأة دينية على يد أمه والذي كان المدلل بحكم سنه .. الواقع أني لا أعتبر أن ما نشأ عليه هو نشأة دينية بقدر ما هو تلك القواعد والأعراف التي يضعها المجتمع قناعاً على وجهه ليقنع الناس أنها هي الدين .. الاكتفاء باستنشاق الرائحة من دون أساس حقيقي .. كمال المراهق الذي دخل في قصة حب لا منطقية أدت به أن يكفر بكل شيء ويصبح راهب علم اتفق جميع من قرأ مقالاته أنه لم يفهم منها شيئاً .. أعتبر كمال مثله مثل الواقف على محطة قطار لن يأتي مطلقاً ولا يفعل أي شي سوى مراقبة من حوله مسلياً نفسه بأنهم جميعاً حمقى وبأنه هو صاحب الطريق والرأي الصائب الوحيد .. كمال الذي تعود مثل ياسين تماماً على التردد على بيوت الدعارة بدعوى أنها تحقق له ما يحققه الزواج من متعة جسدية .. شخصية مشوهة من نتاج الحياة في بيت أحمد عبد الجواد.

ما لفت نظري هو المشهد الأخير .. ياسين وكمال الذاهبان الى محل ملابس ليشتري ياسين بعض اللوازم لابنته الوشيكة الولادة وكمال الذي تذكر أن ربطة عنقه السوداء قد بليت وأن عليه شراء واحدة جديدة لأن ما بقي لأمينة أمه وفق ما أخبره الطبيب كان ثلاثة أيام .. شعرت بأن الصمت قد ساد الأجواء ولم يعد هناك إلا صوت البائع وهو يضع الحوائج في العلب التي أخذها الأخوان ومضيا عائدين لبين القصرين .

ليس هذا كل شيء .. هناك شخص يقف على جانب الطريق بين المارة والباعة يرمق ياسين وكمال بهدوء .. هل ترونه ؟ .. شخص ضعيف ضئيل البنية خفيف الشعر يلبس نظارة سوداء وبذلة سفاري زرقاء .. شخص أحب حارات القاهرة القديمة حتى عرفها كثير من البشر من كل أنحاء العالم .. كان ياسين وكمال قد بلغا منعطف الطريق وغابا عن الأنظار حين هز ذلك الشخص رأسه وتابع سيره بهدوء مماثل .

علمتنا الحياة .. كتاباً

انتهيت من الكتاب أخيراً واكتملت المبادرة والحمد لله .. كنت أنوي أن أجمع التدوينات التي ساهم أصحابها في مبادرة علمتنا الحياة في كتاب خلال بداية هذا العام ولكن بعض المشاغل المتعلقة بالعمل وبعض الأمور الأخرى حالت دون ذلك .. وأنا بطبعي لا أحب أن أبدأ شيئاً ولا أنهيه ما وسعني لذلك سبيلاً علاوة على المسؤولية حيال ما ألزمت نفسي بفعله

استيقظت في الصباح وفي ذهني أن أبدأ بتصميم غلاف الكتاب على الأقل وحاولت أن يكون التصميم بسيطاً مع ألوان تريح العين .. استعنت برسومات من موقع storyset وكان أن خرج هذا التصميم الذي أرجو أن ينال اعجابكم .

كنت قد احترت في المعيار الواجب اتباعه في ترتيب التدوينات ووجدت أن التسلسل الأبجدي هو أكثرها ملائمة لكي لا أظلم أحداً لأني لا أجد لنفسي الحق في وضع تدوينة قبل أخرى باجتهادي الشخصي علاوة أن جميعها رائعة ولكي أرضي ضميري اخترت أن تكون تدوينتي هي الأخيرة كنوع من الاعتذار إن كنت قد أسأت التصرف .

وضعت في الغلاف الأخيرة عبارة لفتت نظري من كل تدوينة ورتبتها بشكل معاكس لترتيب التدوينات نفسها .. يبدو أن الأمر قد تحول بالنسبة لي لهاجس 🙂

أنا سعيد حقاً لإتمام العمل على الكتاب .. لا أزعم أن الأمر قد تم من دون أخطاء لأن العمل عليه كان مجهداً حقاً وأخذ كامل النهار لذلك أرجو أن تسامحوني عن أي خطأ غير مقصود .

جمع تدوينات المبادرة في كتاب سيحفظها من الضياع ويعطيها خصوصيتها .. مهما حدث لخدمة النت سيبقى الكتاب في حاسب شخص ما .. أرجو ذلك على الأقل.

أشكر من كل قلبي كل من استجاب للمبادرة وأعطى لها جزءاً من وقته الثمين .. كما كنت أقول دائماً أن هذا جزء من ثقافة تبادل الخبرات التي هي للأسف تضمحل كأي شيء اجتماعي كنا نفعله في زمان سابق .. أعتقد أن مواليد الثمانينات وما قبلها يفهمون ما أعنيه بشكل واضح جداً.

سأضع رابط دائماً لها على مدونتي مع التأكيد على أنها نتاج مشترك وليس ملكاً لأحد معين .. هذا نوع من التراث الشعبي الذي أرجو أن يكتب له البقاء بعد أن نغادر كلنا ..

رابط كتاب : علمتنا الحياة

في مكافحة بعض الخرافات المدنية

عندما قررت أن أجلس وأكتب هذه التدوينة خطر ببالي السؤال التالي : ماذا تود أن تكتب ؟؟ وهل أنت مؤهل لكتابة مثل هذا النوع من التدوينات ؟ والأهم : هل امتلكت حقاً تجارب وخبرات في الحياة تستحق أن تكتب عنها ؟؟ .. الحقيقة التي لا أستطيع انكارها أنني حتى لحظة كتابتي لهذه الكلمات ما زلت أتعلم وأستخلص نتائج ووجهات نظر جديدة .. أحياناً يكون مجرد التفكير كافياً وأحياناً يتطلب الأمر تفاعلات لقدر ما من الوقت مع البشر والحياة .. تلك التفاعلات التي لا تمضي في الغالب من دون متاعب .

ما أحاول فعله هنا هو أن أكون مفيداً قدر الإمكان بأن أمارس نوعاً من الغش الحميد الذي قد ينتج عنه أن لا يفعل شخص ما أمراً أو أن يكتسب اعتقاداً أو عادة سيئة فقط لأنه قرأ هذه التدوينة واقتنع ولو بجملة واحدة مما كتبته بدلاً من أن يصل الى نفس النتيجة بالخوض في الطريق الأصعب .. بأن يجرب بنفسه .. بالنسبة لي ستكون هذه نتيجة مرضية جداً .

أخيراً ما أود أن أقوله قبل أن أبدأ أن هدفي من وراء ما أكتبه هنا هو تبادل الخبرات .. تلك القيمة التي كادت أن تُفقد بعد أن غزا الناس داء التوحد مع أجهزتهم المحمولة وخفت دفء التواصل الإنساني لدرجة مرعبة .. تظل الكتابة مقاومة للنسيان أكثر من الكلام المحكي الذي قد يضيع ويمضي بين تلافيف المخ التي ما أسهل أن تحكم عليه بالنسيان ..

1 – ليس هناك عمر ولا وقت معين للتعلم :

كنت على وشك دق باب الشقة التي يقيم بها بعض الأصدقاء عندما قال لي زميل العمل : أنني الآن في عمر لن أستطيع تعلم لغة جديدة فيه .

نظرة له في دهشة صامتة .. كان مايزال في نهاية العشرينات من عمره .. كنا قادمين من مركز تعليم اللغة الانجليزية بعد أن فرغنا من أحد الجلسات .. استنكرت ما قاله فزاده ذلك تصميماً على كلامه .. قدرت أنه يبحث عن حجة لينسحب من حضور بقية الدورة وأن كلامي لن يحقق أي فائدة فهززت كتفاي ولزمت الصمت .

أستغرب دائماً مما يعتقد أن هناك عمراً تفرغ فيه بطارية أدمغتنا ويصبح التعلم عملية لا فائدة منها .. وأنا أرى أن الأمر كله يتعلق بالإيحاء النفسي .. فكر بأنك لن تستطيع أن تخطو خطوة اضافية واحدة بعد الآن وبعد وقت قصير ستجد نفسك قد جلست في ركن ما بلا حراك .. هناك من الناس من يعطّل حياته بمحض ارادته بناء على أحكام وقناعات سمعها من جهة ما وأخذها كما هي من دون أي محاكمة منطقية علاوة على أنه يعتنقها بشدة لأنها تريح من أعباء كثيرة .. أنا فقير لأن الله أراد ذلك وأن رزقي مقسوم قبل أن أولد لذلك لا فائدة من المحاولة .. أنا لا أستطيع تعلم مهارات جديدة لأني كبرت في العمر .. هكذا تصبح الحياة جميلة خالية من أي احتمال لبذل أي جهد إضافي .

2 – لا تصاحب أحداً من محيط عملك

فكر بالأمر بموضوعية وبطريقة مجردة : محيط العمل هو مكان تقضي فيه وقتاً معيناً لأداء قائمة من المهام لقاء عائد مادي .. جميع من في هذا المكان أتوا لهذا الهدف بالتحديد .. ولست أنت من يحدد من يحق التواجد في هذا المكان .. أي أنك لا تختار من حولك في محيط العمل .. هذه ليست بيئة مناسبة لاكتساب الصداقات .. أنا لا أطلب منك أن تعامل زملاء العمل بعدوانية .. بالعكس تماماً أنا أطلب أن تعاملهم بمنتهى المساواة ولا تميز شخص عن شخص .. كن دائم الابتسام واللطف .. ليس أقل من ذلك ولا أكثر .. هذا سيبعد عنك العديد من الصدمات والأذى .. صديقك المنتمي لمحيط عملك سيكف عن كونه كذلك عند أول تعارض بين مصالحه ومصالحك .. وسيقوم بفعل أمور ستعدها خيانة لك .. عندها لا تلم إلا نفسك لأنك ذهبت لصيد السمك بين الشعاب المرجانية المليئة فقط بقناديل وسرطانات البحر .

3 – الدور الوظيفي وليس العواطف

أحياناً نطلب ممن حولنا أن يلعبوا أدواراً معينة في حياتنا ثم نصاب بالحزن والإحباط عندما نراهم يتصرفون بعكس ما نرغبه وقد يترتب على ذلك عداوات ومتاعب كثيرة .. المشكلة هنا تتخلص بتجاهل حقيقة بسيطة : من تطلب منه ذلك هو انسان له إرادته ورغباته أيضاً ولن يتركها لكي يلبي ما تريده أنت ..

نحن ننقاد في علاقتنا مع محيطنا إلى عواطف وافتراضات وضعناها بأنفسنا من دون أن نفكر للحظة واحدة في مدى واقعيتها وكأن الحياة مسرحية نحن أبطالها والباقي هم مجرد كومبارس فيها .. لذلك يغضب الكثير من الناس عندما يسعون لصداقة شخص ما فيقابلهم بالتجاهل أو لخطبة فتاة تقابلهم بالرفض والنفور ..

يعتمد إيقاع الحياة على التوازن وتبادل المصالح ولو بشكل خفي ولا يحدث أي شيء من دون سبب .. لذلك فكر في الأمر وكأنك دعيت الى سهرة مع عدة أصدقاء .. بإمكانك أن تذهب أو تعتذر عن الذهاب ولو ذهبت سيكون دور من حولك في هذا الحدث هو دور وظيفي لا علاقة للعواطف فيه .. القضية قضية رغبة في قضاء وقت ممتع واذا حصل هذا التناغم بينك وبين أولئك الرفاق فستتكرر تلك الجلسات حتماً .. بالنسبة لك يشكل من حولك في تلك السهرة مصادر للمتعة .. وأنت كذلك بالنسبة لهم .. هكذا ستجد أن القصة لا تتعلق بالعواطف بقدر ما تتعلق بالدور الوظيفي الذي يجعلك جزءاً من الحكاية أو يجعلك خارجها تماماً .. وأنت وشطارتك .

4 – لا تنقاد لما يفعله الناس

لا تفعل أي شيء لمجرد أنه الترند أو الموضة ..

لا تسمع تلك الأغنية لأنها هي الرائجة وتبث في كل مكان .. فكر أولاً : هل أحببتها فعلاً وتناسب ذوقك الفني ..

لا تلبس ذلك البنطال لأنه نيو لوك .. فكر أولاً : هل يناسب شخصيتك ..

لا تقرأ ذلك الكتاب فقط لأن جميع اليوتيوبرات صوروا مراجعة له .. هم يفعلون ذلك لكي يحصلوا على مشاهدات واعجابات .. أي لكي يحصلوا على المال ولا يهمهم ما هو مضمون الكتاب .. فكر : هل قراءته مفيدة لك فعلاً ؟

في العموم : لا تلتفت الى تلك القوالب التي تحاول شتى الأطراف حشر الناس داخلها واختر ما يناسبك لأن ما يناسبك هو ما سيمنحك الخصوصية وهو ما سيميزك عن بقية الناس .

5 – محيطك أولاً وأخيراً

في فيلم .. اللي بالي بالك .. تسأل المذيعة اللنبي المحبوس في قضية سرقة : لماذا أصبحت بلطجياً ؟

فيرد عليها باستغراب : واحد مصاحب علي علاوكة وأشرف كخة عايزاني أطلع إيه : طيار !

هذا يلخص كل شيء .. تفاصيل حياتك هي من ستحدد درجة نجاحك وفشلك في الحياة .. أصدقائك ومحيط عملك واهتماماتك .. اذا كنت ستقضي اليوم بين الأصدقاء الذين يستنزفون وقتك ويلهوك بأفعال لا فائدة منها وتعمل في مكانك منذ سنوات بلا أمل في التطور واهتماماتك طوال النهار اهتمامات إدمانية تتركز في اختلاس النظر لشاشة الهاتف كل بضعة دقائق وقراءة منشورات وسائل التواصل الفارغة التي لا تنتهي فإن محصلة اليوم هي صفر بامتياز .. تذكر نصيحتي عن الدور الوظيفي وليس العاطفي لمن حولك .. اذا كان دور محيطك هو شدك للوراء فقد حان الوقت لكي تخرج من هذا المحيط بأي ثمن .

هذه التدوينة هي مشاركتي في مبادرة علمتنا الحياة

حقوق الصورة البارزة

الماشي في ممرات كلوب هاوس

دعني أعترف لك بإعتراف صغير : أنا لا أحب وسائل التواصل الإجتماعية.

وهذا الكره ليس بالأمر الجديد فأنا لم أنشأ حساباً على فايس بوك مثلاً إلا في عام 2010 وكان سبب ذلك هو رغبة بعض أقاربي المتقاربين معي في العمر في أن نجتمع في مكان واحد ولو نظرياً لكي نتجاوز بُعد المسافات وبعض المشاكل القديمة التي حالت دون أن نتواصل لفترة طويلة .. وليتنا لم نفعل ذلك لأن النتيجة كانت سلبية وأصبحت الأمور أكثر سوءاً من قبل ..

المنصة الوحيدة التي استطعت التلائم معها هي تويتر فقط لأن شلال المعلومات والصور والكلام محدود جداً قياساً بما يحدث على فايس بوك .. جربت مرة تيك توك وحذفته بعد نصف ساعة .. هذا الكم الرهيب من الفيديوهات الشخصية أثار جنوني وبخاصة أن أغلبها بينه وبين الخصوصية والاحترام سوء تفاهم كامل .

بالنسبة لي كانت المشكلة المزمنة في وسائل التواصل هو السؤال التالي :

من يحق له الكلام ؟؟

الجميع أصبح لديهم هواتف ذكية واشتراك انترنت .. الجميع أصبحوا داخل الشبكات الاجتماعية المختلفة بشهية كبيرة للتفاعل من دون الالتزام غالباً بأي قيود .. وأصبح من حق أي شخص أن يكتب وينشر كل ما يرغب به .. ولكن السؤال الذي طرحته منذ قليل مازال يلحَ هنا : من يحق له الكلام ؟؟

تصور أن يدور حديث ما عن الأساليب الصحيحة في وضع المكياج ومجموعات الألوان الملائمة للموضة .. هل يستطيع أي شخص المشاركة في هذا النقاش ؟؟ .. لاحظوا معي أن الأمر لا يتعلق بمدى أهمية الحديث التي هي نسبية جداً بقدر من يملك المعرفة التي يستطيع من خلالها أن يكون طرفاً في النقاش ..

المنطق أن يكتفي بالقراءة أو الاستماع أو المشاهدة أو حتى التجاهل من لا يملك هذه المعرفة .. لكن ما يحدث غالباً هو غير ذلك ..

من فترة قريبة بدأ تنتشر منصة Clubhouse في المنطقة العربية .. سمعت عنه في البداية ثم أرسل لي فرزت مشكوراً دعوة .. الأي باد يفي بالغرض هنا فأنا لا أملك أي فون ولا أنوي امتلاكه .. بسبب سعره لا أكثر .. فتحت التطبيق وبدأت أتجول بين الغرف ..

أريد أن أكون منظماً وأتكلم عن تجربتي مع كلوب هاوس بمنطق الايجابيات والسلبيات

بالنسبة للايجابيات

  • النقاش ينتهي على نظافة لعدم وجود امكانية للكتابة ونشر الصور أو التعليقات أو غيرها .. الكلام فقط ولا شيء غيره .. ومبدأ التفاعل بسيط .. تضغط لرفع يدك فيعطيك المشرف لو أراد إمكانية الحديث .. ليس بالضرورة أن يتم السماح لك بالحديث بشكل مباشر طبعاً
  • طريقة التواصل تأخذ شكلاً انسانياً أكثر دفئاً واقتراباً من الناس .. النقاش حتى من دون استطاعة التواصل البصري .. الكتابة والصور بشكل مستمر يشجعان على تجاوزات لا يجرأ أغلب الناس على فعلها في حال التكلم والتطبيق يركز على ظهور المستخدمين بشخصياتهم الحقيقية قدر الإمكان لأنه يطلب في البداية أرقام هواتفهم وهذا أمر ايجابي لذلك هذه المنصة لا تصلح برأيي لأي شخص يريد ابقاء شخصيته غير معلومة ولا أرى من المنطقي أن يقبل مشرف أي غرفة أن يعطي المجال للكلام أو لدخول الغرفة حتى لأي شخصية مجهولة.
  • المعلومات ووجهات النظر وطرق التفكير التي قد تكتسبها لو أحسنت اختيار الغرفة .. المستمع الجيد يكسب أكثر من المتكلم .. هناك أشخاص مفيدون حقاً هناك وكمثال عملي هناك الغرف التي يديرها أشخاص عديدون كفرزت … ليست هذه دعاية لأنه هو من دعاني 🙂 .. والتي رأيتها مفيدة حقاً وتعطيك معلومات عن المجالات النفسية التي من النادر أن يتكلم عنها الناس بذلك الوضوح والتفاصيل التي سمعتها في إحدى المرات .
  • أن تسمع أناس جديرون بالاحترام يتحدثون بشكل مباشر وكأنك معهم في غرفة واحدة .. أنت كذلك حقاً .. هذا شعور جميل بالنسبة لي أنا الذي أبحث منذ زمن طويل عن تجمع ثقافي كحرافيش نجيب محفوظ رحمهم الله .

يكفينا ايجابيات لأن زيادتها متعبة للصحة كما تعلمون ولننتقل الى السلبيات 🙂

  • كأي شيء آخر في هذه الدنيا من الممكن استعمال هذه المنصة في أمور قد تجلب الضرر وخاصة في الدول التي أسلوب حياتها يتعارض مع استطاعت مواطنيها الكلام بحرية ..وخاصة أن الأمر هذه المرة يتعلق بالتكلم والكلام أقوى من أي فعل آخر .. المشكلة أن المسموح به وغير المسموح به أمر نسبي ومجرد أن تكون في غرفة ما لم يعجب ما جرى فيها جهة ما فهذا قد يعرض المتواجدين بها حتى الصامتين منهم لمشاكل عديدة .

  • الديناصورات .. وأنا أقصد هنا الناس الفخورين بنفسهم لدرجة أنهم يعتقدون أن الفهم والثقافة هي أشياء تأخذ عن طريق اللبوس أعزكم الله ولأن هذا اللبوس لا يعطي نتائجه إلا معهم هم حصراً فمن الطبيعي أن يكون حق الكلام لهم وحدهم فقط .. المشكلة أن هذا النوع من الديناصورات غير قابل للإنقراض كأجدادهم الأوائل وتراهم غالباً محاطين بمن لا يكف عن سكب عبارات المديح لهم وإصداع رؤوس المستمعين بمديحهم لتلك الديناصورات الفخورة بنفسها .. بالنسبة لي لا أرى أي قيمة لعلم أي شخص متكبر لذلك أغادر الغرفة مباشرة عندما أشعر أنهم موجودون .. هم يجتمعون للأسف على شكل قطعان وهذا كفيل بجعل أي غرفة يتواجدون بها أشبه بمدرسة ابتدائية وعلى جميع التلاميذ الجلوس بشكل صحي لكي ينهلوا من تجارب الديناصورات العميقة.

  • التخت الشرقي .. هذه ظاهرة وجدتها بشكل متكرر في أكثر من غرفة .. تدخل الغرفة في أمان الله فتجد المشرف هو وبعض الشخصيات جالسين بارتخاء ونعومة على تخت عال مزركش ولا يكفون على الحديث العميق والتظاهر بالحنكة وخفة الدم .. ستشم أيضاً رائحة بارفان ممزوج بعرق ثقيل .. وستكتشف بعد دقائق قليلة أن الجالسين على هذا التخت الشرقي هم المشرف وأصدقائه وستعرف أيضاً كم هم أفاضل وطيبون عندما يتنازلون لدخيل مثلك ويسمحون لك بأن تصعد لمجموعة من يحق لهم .. نظرياً .. الكلام .. فقط لكي تتحول لمزهرية لا يحق لها التكلم إلا عندما يتعبون هم منه .. ولا أنصحك بأن تغضب لو قاطعك أحد من أفراد التخت الشرقي أو حتى لو تم تجاهلك ولم يسمح لك بالكلام .. الغرفة غرفتهم وأنت .. يالوقاحتك .. غريب بين أصدقاء أوفياء لا يفترقون عن بعض حتى في مجاهل الكلوب هاوس.
  • المشاهير المنتهي الصلاحية .. كذلك المهرج القديم صاحب البرنامج الشبيه بجو شو .. دخلت على غرفة كان بها فسمعته يقول لصديقتين له : قاطعا من تشاؤون فهذه الغرفة أنشأت لكم في الأساس .. وهذا .. لعمرك .. مثال واضح عن مدى تهذيبه واحترامه لنفسه ..
  • سوء ادارة الغرفة .. هذا مثال رأيته في إحدى الغرف التي كانت تتحدث عن البودكستات العربية .. سأل أحد الحاضرين عن نصائح لتقديم بودكاست يهتم بالعلوم وكيف من الممكن أن يتقبله الناس .. كنت أريد الإجابة على السؤال بشكل مختصر وسريع ولكن رأى مشرف الغرفة أن يؤجل الإجابة على هذا السؤال ليعطي الفرصة لبعض من يريد أن يحكي عن تجربته في مجال البودكاست .. بعد مناقشات طالت اضطررت للخروج من الغرفة لضيق الوقت ولم أستطع الاجابة .. كان من المنطقي أن يترك فرصة لبعض الإجابات ليكمل بعدها السير العام للغرفة .. تبادل الخبرات والرأي لا يقل أهمية عن أي شيء آخر .

كما رأيتم وفي العموم كانت تجربة لا تخلوا من ما هو جيد وما هو غير ذلك .. وكأي وسيلة تواصل اجتماعي يجب التنبه من الحالات الادمانية التي بدأت تصيب أشخاص فيها باعترافهم لدرجة قضاء معظم أوقاتهم يتجولون بين الغرف أو قابعين في غرفة واحدة طوال الوقت .. الحياة ليست مكاناً واحداً ولا تجربة واحدة .. والمياه الراكدة هي المكان المحبب للطحالب والأشنيات .

الصورة البارزة