أماكن ليست كغيرها

كتبت في مدونة سابقة عن الأماكن الموجودة في الخيال فقط والآن أريد أن أكتب عن أماكن أخرى ..

في صغري كنت أزور بيت جدي بشكل يومي .. مرة أهل أبي ومرة أهل أمي وأحياناً الإثنان معاً .. الأطفال يتعلقون عادة بأجدادهم ويحبون رؤيتهم كل يوم .. ولكن بالنسبة لي كنت أحب أيضاً النمط القديم الذي كان سائداً في كلا البيتين .. الكنبات التي لم نعد نراهم إلا في المسلسلات التي تدور في أجواء الستينات والسبعينات من القرن الماضي .. الساعة ذات البندول التي تدق مرة في الساعة والتي كانت ميكانيكية أي أنها تملك مفتاحاً يدارعدة مرات في أوقات معينة .. الهاتف الإنكليزي الأسود الذي يدق بصوت كفيل بإيقاظ الحي كله ويظل رنينه يتردد في أرجاء المنزل حتى بعد صمته .

كانت صالة بيت جدي كبيرة لدرجة أنها كانت تتسع لعشرات الأشخاص الذين كانوا يأتون لزيارتهم في الأعياد عداك عن الأبناء وأبنائهم .. أصوات الأحاديث والضحكات المختلطة .. الزحام المنعش الذي اختفى في ظروف غامضة ولم يعد مطلقاً.

وقد يكون حبي للأشياء والأماكن القديمة قد بدأ منذ ذلك الوقت ولذلك أشعر بالارتياح عندما أزور أو أقطن في منزل قديم وأنا هنا أقصد البيوت القديمة الأنيقة التي تظهر عليها آثار عز قديم حتى إن كانت متواضعة .

ذهبت مرة مع بعض الأصدقاء لأساعدهم في عملية نقل مفروشات اشتروها من موظفة استقالة وقررت السفر الى ألمانيا .. دخلت البيت الذي كانت تستأجره ونظرت حولي في انبهار .. بيت قديم من البيوت التي أحبها .. صالة تسع سكان المبنى كلهم وزيادة .. ممر عريض وطويل .. الجدران الصلبة التي يشعرك ملمسها بأنها تستحق هذا الاسم حقاً .. كان البيت يقع في شارع قديم من تلك الشوارع التي تملك عزاً لا تخطأه العين .. وددت لو أستطيع السكن هنا ولكن أسعار البيوت المرتفعة رغم قدمها لا تسمح بأن تنتقل هذه الرغبة من الخيال الى الحقيقة .

فاترينات المحلات المطعمة بالخشب المزخرف .. شوارع السوق القديم المزدحم بالبشر والبضائع والمحلات المعمرة .. الجوامع القديمة التي مر عليها أجيال من المصلين والصالحين .. الأماكن التي تشعر بأن لها شخصيتها الثابتة وحياتها المستقلة .. والتي تعرف تماماً كيف تجعلك تحبها .

رابط الصورة البارزة

الهارب من وراء المقود

عندي اعتراف صغير أريد أن أكتبه الآن : أنا لا أعرف شيئاً عن قيادة السيارات .. لا أقول لا أجيد .. هناك من يعرف بعض المعلومات ولو بشكل نظري .. أنا بلا فخر لا أعرف مكان دواسة الوقود من دواسة تغيير الحركة .

قد يقول أحد ما .. وأين المشكلة !؟ هناك الكثيرين ممن لا يعرفون القيادة أيضاً .. هذا أمر عادي جداً ..

هذا صحيح .. ولكن أنا أختلف عنهم بأنني كذلك ببالغ الاصرار والترصد.

بالنسبة لشخص ولد في بيت يملك عربة حكومية منذ بداية التسعينيات كان تعلم قيادة السيارة شيئاً بديهياً .. هناك من لا يملك أي عربة حكومية أو غيرها وكان يلقب بشوماخر الشارع .. أما بالنسبة لي فكان الأمر خارجاً عن مجال اهتمامي .. طبعا هناك عوامل عديدة أدت لذلك .. أولها أن والدي من النوع الذي يعتبر أن تعلم أي مراهق للقيادة هي البداية الطبيعية لكي يذهب ويشفّط بها أمام مدرسة البنات .. يشفّط هي كلمة معناها : استخدام العربة للفت انتباه الفتيات بطريقة تشبه استعراضات لفت الانتباه التي تقوم بها الحيوانات البرية والمنزلية على حد سواء .. لذلك لم أطلب منه أن يعلمني ولم يعرض عليّ ذلك.

الأمر الآخر أنني أكره رائحة العربات المفعمة بالبنزين .. كانت كثيرة في ذلك الزمن .. وكنت أصاب بالدوار والتقيأ في صغري ويبدو أن هذا سبب لي انعكاساً شرطياً ما أدى لكراهيتي للعربات نفسها .

السبب الآخر هو ذلك الحادث .. كنا في طريقنا الى مشوار ما وكان أبي يقود العربة في شارع ضيق ارتصت العربات على طرفيه عندما قفز فجأة ولد صغير أمام السيارة ولم تمنع الفرامل العربة من أن تضربه بشكل خفيف تسبب بسقوطه على الأرض .. بالنسبة لنا كنا على اعتقاد راسخ بأنه قد أصبح تحت العجلات .. ولكن حمداً لله لم يحصل ذلك ومضت الأمور على خير ..

تسبب ذلك الحادث بزيادة قناعتي بصواب ابتعادي عن قيادة العربات .. فكرت بأنه كان من الممكن أن أكون أنا من كنت أقود ومن الممكن أكثر أن لا تعمل مكابح العربة كما يجب أو أن أتأخر قليلاً بالضغط عليها ويتحول بعدها ذلك الطفل عديم الانتباه الى جثة مرمية في درج من أدراج المشرحة ويصبح هناك إنسان في عنقي ..

قد يهمس شخص ما بسخرية : ولكن الشوارع مليئة بملايين العربات بشكل يومي فما الذي غيره اعتقادك !؟ .. ستقع الحوادث بشكل يومي ويموت كثير من الناس في الدنيا من جراء ذلك فضلاً عن أن الكثير من السائقين يشيخون من دون حادث سير واحد يسجل في قيودهم .

هذا صحيح .. ولكن مهما يحدث فالأمر بعيد عني وهذا يكفيني .. أنا شخص أعشق السير الذي سيبعد عني على الأقل ذلك الكسل الذي يدفع كثيراً من الناس أن يذهبوا بعرباتهم للمتجر الذي يبعد عشرات الأمتار فقط عن منازلهم .

بالإضافة الى أنني لم أحتاج لقيادة عربة طوال السنين الماضية .. للدقة مرة واحدة احتجت لمعرفة بعض الأمور عن قيادة العربات ولهذه قصة طريفة ..

كنا وقتها في عربة أخو زوجتي الذي غادر السيارة وتركنا على ناصية شارع فرعي وذهب لقضاء أمر ما .. بعد مغادرته بثوان بدأت العربة بالتحرك .. كان الشارع مائلاً وينتهي بشارع رئيسي تمرق منه العربات بسرعة .. أي أن وصولنا لهناك مليء بالاحتمالات السوداء .. كنت أجلس بجانب مقعد السائق وارتبكت ولم أعرف ماذا أفعل .. وأصاب الجمود بقية ركاب السيارة وأخيراً قالت زوجته برعب : إسحب فرام اليد بسرعة .. نظرت الى تلك العصا الراقدة بجانبي وأمسكتها وجذبتها بسرعة وتوقفت العربة على بعد أمتار قليلة من الشارع الرئيسي .

برغم كل شيء لا أرى في القيادة ما يغري حقاً وأرى أن قدماي تحققان المطلوب وزيادة ولله الحمد ..

رابط الصورة البارزة

أن تعيش وسط المدينة

منذ صغري كنت أود لو أسكن في وسط المدينة ..

النشاط والحيوية والحركة والحدائق التي تقع هناك والتي كان يجعلني أشعر بفرح ونشوة طفولية مجرد تخيل إمكانية أن أصحو وأرتدي ثيابي وأخطو خطوتين فأصبح داخلها ..

مشكلة البيوت في وسط المدينة أنها غالية حقاً وأغلبها قديم .. لذلك فكونك تسكن هناك فهذا يعني إما أنك تملك ثروة لا بأس بها أو أنك ابن لأب عجوز اشترى البيت عندما كان وسط المدينة ليس وسطاً لهذه الدرجة وكانت الأسعار في متناول اليد .. الزمن يغير كثيرا ً في البشر والحجر وما هو في الأطراف سيصبح بعد مدة ما في الوسط ولكن قد لا يكفي العمر لكي ترى هذا بنفسك .. ربما أولادك أو أحفادك

لكن برغم كل شيء أتيحت لي الفرصة مرتان لإشباع هذه الرغبة وتجربة متعة السكن وسط المدينة .. المرة الأولى كانت عام 2016 في مدينة طرابزون هنا في تركيا .. كنت أعمل وقتها في مكتب تجاري ولم أرغب أن أستأجر منزلاً قبل أن أتأكد من دوامية العمل في البداية على الأقل وسمح لي صاحب المكتب أن أبات فيه بشكل مؤقت الى أن أنقل عائلتي الى هناك .. قضيت حوالي شهرين أسكن في مكتب يشرف على الساحة المركزية التي تقع في قلب مدينة طرابزون ..

تخيل معي ..

أن تخرج من باب المبنى وترى نفسك مباشرة في أماكن المشي والتنزه .. وحرفياً كل شيء حولك من متاجر ومحلات أكل .. وأهم من ذلك البحر .. كان البحر لا يبعد سوى مسيرة أقل من خمس دقائق .. الليل وأضواء الحوانيت .. سيكون هناك تدوينات قادمة إن شاء الله أروي لكم فيها القصة كاملة ..

المرة الثانية كانت في تركيا أيضاًَ في وسط مدينة غازي عنتاب .. في مكان عملي الحالي يوجد سكن للضيوف وكانوا يسمحون للموظفين الجدد بالإقامة به .. ليس كلهم تحديداً .. وأنا لم أشأ أن أستعجل بنقل عائلتي فأقمت هناك عدة أشهر .. كانت تجربة مشابهة لحد ما لتجربة طرابزون عدا أن طرابزون أحلى وأجمل ..

لماذا أحب السكن في وسط المدينة !؟

لأني سأوفر ساعات عديدة نقضيها عادة في المواصلات .. ولأنني أحب الجلوس على الشرفة ومراقبة الشوارع المزدحمة بالسيارات السائرة بهدوء نحو مقصدها .. ولأن هذا يشجعني على ممارسة هوايتي التي لازمتني أغلب حياتي وهي السير وحيداً في منتصف الليل .. الصديق الوحيد الذي لم أخسره لبُعد أو جفاء أو لأنني اكتشفت أنه لم يكن صديقاً ..

أحب المشي في شوارع وسط المدينة وتأمل البشرغارقاً في أفكاري وخواطري .. والسكن في وسط المدينة سيجعل من هذا عادة يومية بلا تكبد عناء طريق الذهاب الى هناك .

من يدري لعل هذه الرغبة تتحقق في يوم من الأيام

أن تسكن في المكان الذي أحببت السكن فيه دائماً.

رابط الصورة البارزة