رزمة السعادة

هل جربت أن تسأل نفسك يوماً عن الشيء الذي يجعلك في أقصى حالات الفرحة والفضول والترقب ؟؟ .. عن ذلك الأمر الذي يجعل قلبك يدق طبولاً أشبه بطبول حرب القبائل الأفريقية ..

ستختلف الإجابات وتتنوع بشدة .. هذا أكيد .. بالنسبة لي فالإجابة على هذا السؤال هي :

  • رزمة كبيرة تتكون من خليط من مجلات الكوميكس والعربي والعربي الصغير واصدارات دار المعارف القديمة

أمنية متواضعة وسهلة التحقق أليس كذلك ؟؟

الواقع أن الأمر ليس بهذه السهولة وخاصة عندما تعيش في محيط لا يتكلم اللغة العربية .. لن تجد إلا عدد قليل جداً من المكتبات تقدم فقط مجموعة معينة من كتب الترندات لا أكثر .. لن تجد تلك المكتبات القديمة التي تشتري الكتب المستعملة وتبيعها .. ولن تستطيع الطلب من شخص ما أن يرسل لك مثل تلك الرزمة .. هذا طلب غير تقليدي لن يستطيع أي شخص تلبيته لك .

هذه الكومة من الأسرار التي ستشعرني بالحبور .. ساعات طويلة من التفحص والاستكشاف والقراءة .. هذا النمط الجميل من الكتابة والرسومات والكلام الذي يدخل القلب مباشرة .

قد تجد مثل هذه الرزمة في بيوت الكثير من الناس وقد وضعت في مكان مهمل ما ونُسي أمرها تماماً حتى يصيبها التلف أو ترمى مباشرة في القمامة .. الناس يتعاملون مع الأشياء القديمة على أن الوقت قد حان للتخلص منها مهما كانت تؤدي دورها على أكمل وجه .. يرغبون دائماً في التقنيات الحديثة وعندما يقتنونها لا يستعملون ربع الميزات التي تقدمها لا لشيء سوى لأنها لا تلزمهم أساساً .

الأمر الذي يجذبني في المجلات والدوريات القديمة هو إتقان المهنة .. ستجد رسوماً تجذبك بشكل لا يوصف ومواضيع وكلمات منتقاة .. الحقيقة أنه يوجد اليوم الكثير من الكتّاب هذا إذا تغاضينا عن منشورات مواقع التواصل الاجتماعي التي أغلبها لا لون لها ولا طعم ومجرد أكوام من الثرثرة الفارغة .. الكثير من الكتابة والكلام لدرجة أنه أصبح من الصعب البحث عن شيء يستحق القراءة .. هذا هو الفرق بين الدوريات والمجلات القديمة وبين ما يحدث الآن .

هل كل ما هو قديم بهذه الجودة التي تذكرها ؟؟ كلا بالطبع .. كان يوجد أيضاً ما هو تافه ولا يستحق النظر إليه ولكن كانت الخيارات كلها متاحة .. المفيد وغير مفيد .. كان كل شيء مركزاً وواضحاً ويقدم نفسه بشكل وعبارات مفهومة .

ما يحدث اليوم أن الصالح ذهب مع الطالح وكثرة الصراخ تمنع من سماع أي شيء مفيد .

بكل الأحوال هناك العديد من الأشياء التي تجعل الناس يشعرون بسعادة لا توصف .. هذه إجابتي أنا وإن كان لديك يا صديق القراءة العزيز إجابات أخرى فقد ترغب بمشاركتها في التعليقات .. هذا أيضاً يُشعرنا معشر المدونين بسعادة غامرة .

رابط الصورة البارزة

من الطابق الحادي عشر

أسكن في الطابق الحادي عشر في ضاحية سكنية على أطراف غازي عنتاب .. أحب الإطلالات العالية وقد كنت أتمنى منذ صغري أن أسكن في طابق مرتفع وانتهزت أول فرصة متاحة وفعلتها 🙂 .

البيوت في حلب قليلة الطوابق ومن النادر أن ترى بيتاً يُطل على مساحات كبيرة وإن وُجِد فلا تسألني عن ثمنه .. ما كان يميز البيوت هناك أن سقوفها عالية بعكس السقوف هنا .. هذا يعطي مساحة أكثر للبيت ولكنه متعب من ناحية التنظيف وأكثر برودة في الشتاء .

قد يخطر ببال قارئ ما بأن قصة الطابق الحادي عشر ليست غريبة عليه وأنه قرأ عنها في كتاب ما من قبل .. الواقع أن هذا صحيح لو كنت قد قرأت روايتي حكايا رحمي فؤاد .. إن لم تكن قد قرأتها فأنصحك بذلك .. لقد أتحتها بشكل مجاني ولن يكلفك قراءتها سوى بعض الشتائم وهمهمات الإستهزاء لو لم تعجبك .. لو أعجبتك فسأكون سعيداً لأنك لم تقض وقتك سدى .

أجلس أحياناً في الشرفة أتأمل الشارع البعيد والعربات السائرة فيه بسرعة وهدوء .. هذه من المشاهد التي لا أملُّ من مشاهدتها أبداً وفعاليتها لا تخيب في تهدأت أعصابي وجعلي أمضي في خطوات شرود مريح .. وهي أيضاً من المشاهد التي كنت أحب أن تكون جزءاً من إطلالة المنزل الذي أحب أن أسكنه وتمنيت هذا عدة مرات عندما كنت أزور خطيبتي الثانية.. الثانية !! .. هذه قصة من عدة فصول قد أحكيها في وقت ما ..

أمامي توجد العشرات من النوافذ والشرفات المتوزعة على المباني العالية أيضاً والمجاورة .. الكثير منها .. وأنا بطبعي لا أحب البصبصة على الناس وأحترم خصوصيتهم .. ولكن هناك أحياناً مشاهد تجبرك على تأملها بشكل سريع من دون أن تتعمد ذلك .. أسرة تجلس لتأكل ويصطف الأطفال حول السفرة .. هذا المشهد يذكرني بأيام الطفولة والزحام ببيت جدي .. شخص يجلس متأملاً الدنيا ولا يدري أن هناك من يتأمله هو أيضاً .. فتاة على أعتاب المراهقة تقرأ شيئاً ما من على شاشة هاتفها .. لا تنظر لي هكذا فأنا على أعتاب الأربعين ونظرتي ليست كنظرة مراهق نهم يحسب أن الدنيا هي كتلك المسلسلات المبتذلة التي أدمن مشاهدتها .

ومع أني لست فضولياً بطبعي ولكن أحياناً أتسائل عن تلك الحكايا التي تختفي وراء الشبابيك وتبقى حبيسة ضمن الغرف والبيوت .. الحكايات الصغيرة التي يحتويها كل بيت والتي تشكل أجزاء لعمر كامل بكل ساعات فرحه وأمله وإحباطاته .. الذكريات التي تتشكل باستمرار من دون أن ينتبه أحد لها حتى زمن متأخر .. أتصور أحياناً أن تتاح لي رؤية تلك المشاهد تمر بشكل سريع أمام ناظري في كل مرة أنظر فيها الى نافذة من تلك النوافذ التي تملأ فضاء الليل أمامي .. نوافذ تُفصح بحدة عن ماهية الموجودات ورائها وأخرى تحتجب خلف ستارة وفوقها جلالة الغموض سابلةٌ تفاصيلها المبهمة على عموم المشهد لتزيد من تساؤلاتك لو أزحت الستارة مرة لتريح عينيك المتعبتين من كثر التحديق بشاشة الحاسوب طوال النهار.

أحب مشاهدة تفاصيل الحارات البعيدة .. حركة النهار التي لا تهدأ وأضواء المغيب والشبابيك المضيئة التي تنطفأ رويداً رويداً ليسود بعضها الصمت ويُغزا المكان بالأحلام .

هذه الدنيا التي لا تسعها أعمارٌ كاملة .. الدنيا الملولة التي تعشق التغيير ولا مكان عندها للثبات والدوام .

رابط الصورة البارزة

محاكاة

تحدثت في تدوينة سابقة عن عدم رغبتي الدائمة في تعلم قيادة السيارات.. لم أجرب القيادة مطلقاً رغم الكثيرين الذين صدعوا رأسي وهم يحاولون إقناعي كم أن هذا الأمر ممتع وساحر .. الجلوس وراء المقود والتحرك بين الشوارع ونشوة السيطرة وأنت تنتقل من مكان لمكان .

أنا لم أجرب القيادة حقاً ولكني جربت هذا الشعور .. كيف !؟ .. الأمر بسيط ..

زمان كانت هناك لعبة سيارات من مايكروسوفت اسمها : Midtown Madness وهي عبارة عن سباق سيارات في شوارع شيكاغو .. أنا هنا أتحدث عن الجزء الأول منها بالتحديد .. الشيء الجميل في هذه اللعبة أنها كانت تمتلك وضعية القيادة الحرة أي أنك تستطيع التحرك في شوارع المدينة من دون الالتزام بأي سباق ..

كانت تمتلك أيضاً خيارات لتحديد الطقس والليل أو النهار ومدى زحام السيارات حولك .. هكذا كنت أختار الليل والمطر الخفيف والطرق الخالية من البشر والناس وأضع قرص الأوديو الليزري في السواقة فيعمل مسجل السيارة تلقائياً وتبدأ تركّات الأغاني بالإنسياب .. هنا يتدخل مبدأ .. دعني أخدعك دعني أنخدع .. ليصور لك الأمر على أنه حقيقي .. الخيال يفعل فعلته فلا تقل لي أنك تستطيع الاندماج في فيلم خيالي ولا تستطيع فعل ذلك مع لعبة .. كانت تجربة مميزة وللأسف حاولت البحث عن لعبة حديثة تقدم شيئاً مشابهاً ولم أجد .. إن كنت تعرف إحداها فأخبرني في التعليقات من فضلك .

منذ بضعة أيام جربت شيئاً مماثلاً الى حد ما .. هناك قنوات تنتشر باستمرار على يوتيوب تقدم محتوى عبارة عن شخص يحمل كاميرا عالية الجودة بمانع اهتزاز .. يقوم هذا الشخص بالتجول في شوارع مدينة ما مستعرضاً المحلات والغادين والرائحين .. من بين تلك القنوات أعجبتني قناة : Watched Walker التصوير يجري في شوارع لندن والكاميرا ممتازة .. فقط أنت بحاجة لشاشة كبيرة ودقة ليست أقل من : 1440P .. ومع بعض الشرود والخيال ستشعر أنك أصبحت هناك ..

عندما تكون في زمن الكورونا وتحب مثلي المشي في الشوارع فهذه القنوات ستقدم لك تجربة منقوصة حقاً ولكنها آمنة .. الشيء الآخر أنك تجرب هنا التفاعل مع شوارع قد لا يكتب لك رؤيتها بشكل حقيقي ..

الفضول ليس أحد صفاتي ولكني أشعر به حقاً عندما أتأمل الناس وواجهات المحلات .. يمر بذهني عشرات التساؤلات حول أولئك الذين يشبهونني من ناحية المظهر العام ويختلفون عني بشدة في أمور أخرى .

شوارع وأناس وأنا هناك بالرغم أنني لست كذلك.

الخيال نعمة حقاً.

رابط الصورة البارزة

عزيزي زائر المدونة

أريد اليوم أن أتحدث معك أنت يا من تأتي لزيارة مدونتي وقراءة تدويناتي

يا صديق الكتابة العزيز

عادة تكون العلاقة بيني وبينك هي أن أكتب أنا وتقرأ أنت .. لكن هذه المرة سأدع الكتابة في موضوع ما جانباً وأتحدث معك مباشرة

أشكرك أولاً على زيارتك لمدونتي .. أقدر لك هذا وأقدر لك أيضاً وقتك الذي تنفق بعضه هنا .. أحاول دائماً أن أكتب ما يجعلك تشعر بأن وجودك هنا كان مثمراً .. لكن كعادة البشر لا أنجح دائماً بتحقيق ما أريد .. لذلك إن لم يعجبك موضوع ما فلا بأس .. أحياناً تفيد الأمور السيئة أكثر من المفيدة .. على الأقل ستستطيع التمييز بينهم بسهولة .. يحتاج الإنسان منا لتجربة كل شيء ومن لا يعرف القبح لا يعرف الجمال .

أريدك أن تعلم أنك مرحب بك هنا من كل قلبي .. تخيل أننا نجلس على حافة طريق يطل على غابة .. الشمس المضرجة تكاد تختفي في الأفق ونسمات خفيفة تهمس بكلماتها المنعشة الطاردة للحر الثقيل الذي بدأ يرحل على مضض .

نجلس على تلك الحافة ونتكلم بأحاديث شتى بعيداً عن تلك الأجهزة المحمولة التي خربت العلاقة بين البشر وجعلت الأشجار الساكنة تبدو اجتماعية أكثر منا .. هي على الأقل تتراقص مع الرياح ولا تبقى ساكنة دائماً على عكس طوابير الناس التي تراها قابعة في كل مكان تحدق بذلك الحاوي الماكر الذي يعرض لها ألعابه السحرية التي تسلب منهم .. من دون أن يشعروا .. إنسانيتهم وترسم لهم خيالات فارغة .

عندما تزور مدونة ما وتقرأ ما بها من مواضيع ستشعر بلمسة صاحبها الشخصية من خلال الكلام الذي يعبر عن أحلامه وأفكاره وطموحاته .. ذكرياته وأهدافه ونظرته لشتى الأمور في الحياة .. ستقضي أوقات مختلفة ومميزة .. لذلك أنا أهنئك على اختيارك الخروج قليلاً من مواقع التواصل الاجتماعي التي لا تفعل شيئاً سوى أن تراكم الكلام بلا نهاية وبلا قيمة حقيقية .

ولأنني كإنسان محدود التواجد لذلك تستطيع أن تأتي لزيارتي هنا .. المدونة هي أنا .. ستعرف عني العديد من الأمور التي قد لا أعلمها أنا .. تعال واجلس بجانبي ودعنا نتبادل الأحاديث على حافة ذلك الطريق المشرف على الغابة المليئة بالأشجار الساكنة .

في مدح العفوية والحماقة

من الأشياء التي أحب فعلها باستمرار مشاهدة حلقات سبونج بوب على نتفلكس .. وبالنسبة لي كشخص اقترب جداً من تمام الأربعين لا أخجل من الحديث عن ذلك والدليل أنني أتحدث الآن عنه فعلاً ..

سبونج بوب مسلسل أطفال يتحدث عن كائنات بحرية تعيش في أعماق البحر .. سبونج بوب الإسفنجة صانع البرغر وبسيط صديقه ومستر سلطع صاحب المطعم المحب للنقود .. مثلنا تماماً .. وشفيق الموظف الموجود في المكان الخطأ .. مثلنا تماماً أيضاً .

ما يعجبني في هذا المسلسل هو شخصية بسيط نجمة البحر الحمقاء ومن الطبيعي أن تكون نجمة البحر حمقاء لأنها .. تشريحياً .. لا تملك دماغاً فلا يوجد جهاز للتفكير .. وطبعاً هذا المنطق غير متماسك فهناك الكثير ممن يملكون فعلاً هذا الجهازلكن بلا فائدة تذكر.

في أحد مشاهد المسلسل التي تثير ضحكي كلما تذكرتها يسقط سبونج بوب وبسيط في غرفة مظلمة فيتسائل سبونج بوب في خوف :

  • هل تسمعني يا بسيط ؟؟

فيرد عليه بسيط حانقاً :

  • كيف سأسمعك في هذا الظلام الدامس !!؟

دعوني أعترف لكم بشيء .. أنا أحب الحمقى .. نعم لم تخطأ القراءة .. أنا فعلياً أحب الحمقى وهذه مشكلة طبعاً لأنه من الممكن أن تنتهي علاقتي بأي شخص يعرف تلك الحقيقة بمجرد أن أخبره بأني أحبه .. ولكني لم أقل أني أحب الحمقى فقط .. هنا نجد أنه ثبّت على نفسه هذه الصفة عندما غضب مني وكف عن التواصل معي .. يبدو أنني أكدت له شيئاً كان طوال السنوات الماضية يشك بأنه يتصف به فعلياً 🙂


لماذا أحب الحمقى إذن !!؟

لأنهم عفويون وتفكيرهم بسيط وغالباً ما تصدر منهم الأمور التي تجلب الضحك الذي أصبح من الأفعال المهددة بالإنقراض .. ليس هذا مبرراً للسخرية منهم طبعاً وأنا لا أفعل ذلك مطلقاً .. أنا أضحك من النتائج وليس من مصادرها .

في هذه الحياة التي تتعقد باستمرار والتي لا تكف عن صدمك بأشخاص كنت تحسبهم يتمتعون بالحد الأدنى من المبادىء ستجد نفسك تميل تلقائياً للشخصيات المريحة للقلب والتي تستطيع أن تعطيها ظهرك من دون أن تتوقع ضربة غادرة ما .. وحتى إذا جاءك منهم أي أذى .. وهذا نادر جداً .. فسيكون ببساطة فعلاً أحمق غير مقصود سيدفعك للضحك وأنت تنهض وتنفض عن نفسك الغبار .

الإنسان البسيط صاحب التصرفات والكلمات العفوية أصبح عملة نادرة هذه الأيام لذلك إذا رأيت أحد أولئك الذين وقفت حماقتهم بوجه محاولات تلويثهم وجعلهم نسخة أخرى من تلك الرخويات البشرية اللزجة المحيطة بنا فلا تتركه أبداً واعتبره مباشرة أحد أصدقاءك ..

لقد نصحتك وانتهى الأمر .

رابط الصورة البارزة