قلق السعي نحو التدوين

أحببت التدوين منذ سمعت عنه أول مرة .. أظن أنه العام 2003 .. أحببته ورغبت دائماً أن أكون مدوناً يومياً أو على الأقل مدوناً في معظم أيام الاسبوع ولكني لم أحقق ذلك حتى الآن للأسف ..
هناك أسباب عديدة أهمها عامل الوقت .. اليوم المزدحم بساعات العمل والمواصلات والسعي الدؤوب لتعلم وتطوير المهارات يجعل الوقت محدود حقاً .. كنت أنوي التدوين بشكل يومي أثناء عطلة عيد الأضحى ولكني انشغلت بالمجموعة القصصية التي أتممتها في أيام العطلة والتي أخذت معظم وقتي لدرجة أنني لم أسافر لأقضي عطلة العيد في مكان ما وفضلت أن أجلس وحيداً لكي أنهيها لأن أي احتمال آخر سيكون معناه أن لا يؤجل إتمامها لوقت مجهول آخر.

أحببت دائماً أن أكون مدوناً يومياً ولكن ليس من السهل دوماً التحكم في مسار الحياة .. وحش العمل الذي يلتهم معظم ساعات نهارك بين الذهاب وساعات العمل والإياب للبيت .. وقت كثير مهدور .. كانت فترة الحجر في بداية انتشار الكورونا فرصة رائعة لاستغلال ذلك الوقت المهدور بأمور مفيدة ودامت لوقت لا بأس به ولكنها انتهت بعد ذلك وعادت حليمة لعادتها القديمة .. الادارات المحلية تحتاج لقرون على ما يبدو لتفهم فكرة أن العمل هو مخرجات وليس مجرد تحكم في مكان وجود الموظف بدعوى تأمين جو مناسب للعمل له .. الجو الذي هو في الغالب ليس مناسباً للعمل … ما علينا

هل ما أكتبه الآن هو دعوة لليأس !!؟ .. لا طبعاً .. بالعكس تماماً .. أنا لم أفقد الرغبة في حصول ذلك قط وما زال لدي الأمل .. قد يأتي المستقبل إن شاء الله بما يحقق تلك الرغبة وحتى حدوث ذلك تبقى أيام العطل خياراً معقولاً .. المهم أن يسعفني التفكير لاتخاذ القرار المناسب في وقته المناسب .

الماشي في ممرات كلوب هاوس

دعني أعترف لك بإعتراف صغير : أنا لا أحب وسائل التواصل الإجتماعية.

وهذا الكره ليس بالأمر الجديد فأنا لم أنشأ حساباً على فايس بوك مثلاً إلا في عام 2010 وكان سبب ذلك هو رغبة بعض أقاربي المتقاربين معي في العمر في أن نجتمع في مكان واحد ولو نظرياً لكي نتجاوز بُعد المسافات وبعض المشاكل القديمة التي حالت دون أن نتواصل لفترة طويلة .. وليتنا لم نفعل ذلك لأن النتيجة كانت سلبية وأصبحت الأمور أكثر سوءاً من قبل ..

المنصة الوحيدة التي استطعت التلائم معها هي تويتر فقط لأن شلال المعلومات والصور والكلام محدود جداً قياساً بما يحدث على فايس بوك .. جربت مرة تيك توك وحذفته بعد نصف ساعة .. هذا الكم الرهيب من الفيديوهات الشخصية أثار جنوني وبخاصة أن أغلبها بينه وبين الخصوصية والاحترام سوء تفاهم كامل .

بالنسبة لي كانت المشكلة المزمنة في وسائل التواصل هو السؤال التالي :

من يحق له الكلام ؟؟

الجميع أصبح لديهم هواتف ذكية واشتراك انترنت .. الجميع أصبحوا داخل الشبكات الاجتماعية المختلفة بشهية كبيرة للتفاعل من دون الالتزام غالباً بأي قيود .. وأصبح من حق أي شخص أن يكتب وينشر كل ما يرغب به .. ولكن السؤال الذي طرحته منذ قليل مازال يلحَ هنا : من يحق له الكلام ؟؟

تصور أن يدور حديث ما عن الأساليب الصحيحة في وضع المكياج ومجموعات الألوان الملائمة للموضة .. هل يستطيع أي شخص المشاركة في هذا النقاش ؟؟ .. لاحظوا معي أن الأمر لا يتعلق بمدى أهمية الحديث التي هي نسبية جداً بقدر من يملك المعرفة التي يستطيع من خلالها أن يكون طرفاً في النقاش ..

المنطق أن يكتفي بالقراءة أو الاستماع أو المشاهدة أو حتى التجاهل من لا يملك هذه المعرفة .. لكن ما يحدث غالباً هو غير ذلك ..

من فترة قريبة بدأ تنتشر منصة Clubhouse في المنطقة العربية .. سمعت عنه في البداية ثم أرسل لي فرزت مشكوراً دعوة .. الأي باد يفي بالغرض هنا فأنا لا أملك أي فون ولا أنوي امتلاكه .. بسبب سعره لا أكثر .. فتحت التطبيق وبدأت أتجول بين الغرف ..

أريد أن أكون منظماً وأتكلم عن تجربتي مع كلوب هاوس بمنطق الايجابيات والسلبيات

بالنسبة للايجابيات

  • النقاش ينتهي على نظافة لعدم وجود امكانية للكتابة ونشر الصور أو التعليقات أو غيرها .. الكلام فقط ولا شيء غيره .. ومبدأ التفاعل بسيط .. تضغط لرفع يدك فيعطيك المشرف لو أراد إمكانية الحديث .. ليس بالضرورة أن يتم السماح لك بالحديث بشكل مباشر طبعاً
  • طريقة التواصل تأخذ شكلاً انسانياً أكثر دفئاً واقتراباً من الناس .. النقاش حتى من دون استطاعة التواصل البصري .. الكتابة والصور بشكل مستمر يشجعان على تجاوزات لا يجرأ أغلب الناس على فعلها في حال التكلم والتطبيق يركز على ظهور المستخدمين بشخصياتهم الحقيقية قدر الإمكان لأنه يطلب في البداية أرقام هواتفهم وهذا أمر ايجابي لذلك هذه المنصة لا تصلح برأيي لأي شخص يريد ابقاء شخصيته غير معلومة ولا أرى من المنطقي أن يقبل مشرف أي غرفة أن يعطي المجال للكلام أو لدخول الغرفة حتى لأي شخصية مجهولة.
  • المعلومات ووجهات النظر وطرق التفكير التي قد تكتسبها لو أحسنت اختيار الغرفة .. المستمع الجيد يكسب أكثر من المتكلم .. هناك أشخاص مفيدون حقاً هناك وكمثال عملي هناك الغرف التي يديرها أشخاص عديدون كفرزت … ليست هذه دعاية لأنه هو من دعاني 🙂 .. والتي رأيتها مفيدة حقاً وتعطيك معلومات عن المجالات النفسية التي من النادر أن يتكلم عنها الناس بذلك الوضوح والتفاصيل التي سمعتها في إحدى المرات .
  • أن تسمع أناس جديرون بالاحترام يتحدثون بشكل مباشر وكأنك معهم في غرفة واحدة .. أنت كذلك حقاً .. هذا شعور جميل بالنسبة لي أنا الذي أبحث منذ زمن طويل عن تجمع ثقافي كحرافيش نجيب محفوظ رحمهم الله .

يكفينا ايجابيات لأن زيادتها متعبة للصحة كما تعلمون ولننتقل الى السلبيات 🙂

  • كأي شيء آخر في هذه الدنيا من الممكن استعمال هذه المنصة في أمور قد تجلب الضرر وخاصة في الدول التي أسلوب حياتها يتعارض مع استطاعت مواطنيها الكلام بحرية ..وخاصة أن الأمر هذه المرة يتعلق بالتكلم والكلام أقوى من أي فعل آخر .. المشكلة أن المسموح به وغير المسموح به أمر نسبي ومجرد أن تكون في غرفة ما لم يعجب ما جرى فيها جهة ما فهذا قد يعرض المتواجدين بها حتى الصامتين منهم لمشاكل عديدة .

  • الديناصورات .. وأنا أقصد هنا الناس الفخورين بنفسهم لدرجة أنهم يعتقدون أن الفهم والثقافة هي أشياء تأخذ عن طريق اللبوس أعزكم الله ولأن هذا اللبوس لا يعطي نتائجه إلا معهم هم حصراً فمن الطبيعي أن يكون حق الكلام لهم وحدهم فقط .. المشكلة أن هذا النوع من الديناصورات غير قابل للإنقراض كأجدادهم الأوائل وتراهم غالباً محاطين بمن لا يكف عن سكب عبارات المديح لهم وإصداع رؤوس المستمعين بمديحهم لتلك الديناصورات الفخورة بنفسها .. بالنسبة لي لا أرى أي قيمة لعلم أي شخص متكبر لذلك أغادر الغرفة مباشرة عندما أشعر أنهم موجودون .. هم يجتمعون للأسف على شكل قطعان وهذا كفيل بجعل أي غرفة يتواجدون بها أشبه بمدرسة ابتدائية وعلى جميع التلاميذ الجلوس بشكل صحي لكي ينهلوا من تجارب الديناصورات العميقة.

  • التخت الشرقي .. هذه ظاهرة وجدتها بشكل متكرر في أكثر من غرفة .. تدخل الغرفة في أمان الله فتجد المشرف هو وبعض الشخصيات جالسين بارتخاء ونعومة على تخت عال مزركش ولا يكفون على الحديث العميق والتظاهر بالحنكة وخفة الدم .. ستشم أيضاً رائحة بارفان ممزوج بعرق ثقيل .. وستكتشف بعد دقائق قليلة أن الجالسين على هذا التخت الشرقي هم المشرف وأصدقائه وستعرف أيضاً كم هم أفاضل وطيبون عندما يتنازلون لدخيل مثلك ويسمحون لك بأن تصعد لمجموعة من يحق لهم .. نظرياً .. الكلام .. فقط لكي تتحول لمزهرية لا يحق لها التكلم إلا عندما يتعبون هم منه .. ولا أنصحك بأن تغضب لو قاطعك أحد من أفراد التخت الشرقي أو حتى لو تم تجاهلك ولم يسمح لك بالكلام .. الغرفة غرفتهم وأنت .. يالوقاحتك .. غريب بين أصدقاء أوفياء لا يفترقون عن بعض حتى في مجاهل الكلوب هاوس.
  • المشاهير المنتهي الصلاحية .. كذلك المهرج القديم صاحب البرنامج الشبيه بجو شو .. دخلت على غرفة كان بها فسمعته يقول لصديقتين له : قاطعا من تشاؤون فهذه الغرفة أنشأت لكم في الأساس .. وهذا .. لعمرك .. مثال واضح عن مدى تهذيبه واحترامه لنفسه ..
  • سوء ادارة الغرفة .. هذا مثال رأيته في إحدى الغرف التي كانت تتحدث عن البودكستات العربية .. سأل أحد الحاضرين عن نصائح لتقديم بودكاست يهتم بالعلوم وكيف من الممكن أن يتقبله الناس .. كنت أريد الإجابة على السؤال بشكل مختصر وسريع ولكن رأى مشرف الغرفة أن يؤجل الإجابة على هذا السؤال ليعطي الفرصة لبعض من يريد أن يحكي عن تجربته في مجال البودكاست .. بعد مناقشات طالت اضطررت للخروج من الغرفة لضيق الوقت ولم أستطع الاجابة .. كان من المنطقي أن يترك فرصة لبعض الإجابات ليكمل بعدها السير العام للغرفة .. تبادل الخبرات والرأي لا يقل أهمية عن أي شيء آخر .

كما رأيتم وفي العموم كانت تجربة لا تخلوا من ما هو جيد وما هو غير ذلك .. وكأي وسيلة تواصل اجتماعي يجب التنبه من الحالات الادمانية التي بدأت تصيب أشخاص فيها باعترافهم لدرجة قضاء معظم أوقاتهم يتجولون بين الغرف أو قابعين في غرفة واحدة طوال الوقت .. الحياة ليست مكاناً واحداً ولا تجربة واحدة .. والمياه الراكدة هي المكان المحبب للطحالب والأشنيات .

الصورة البارزة

جُودة الذي في كل مكان

عامة لا أحب مشاهدة المسلسلات العربية وبالأخص ما بدأ يعرض في السنوات الأخيرة .. زمان كان يشكل المسلسل العربي نقطة مهمة في الحياة اليومية للناس .. كانت القنوات قليلة والبث محدود الساعات ولم يكن يبث على القنوات المحلية سوى مسلسل أو مسلسلين طوال النهار .. كانت المسلسلات وقتها ملائمة لحد كبيرة للمشاهدة العائلية لذلك كانت تتحلق العائلة كلها لمتابعة الأحداث التي تتوالى تباعاً حتى الحلقة الأخيرة .. وبطبيعة الحال كان وما زال هناك ما هو فاخر كالمسلسلات المأخوذة من روايات لكتّاب كبار كنجيب محفوظ وصولاً لتلك التجارية الرديئة التي لا تستحق النظر ولو لثوان لها .. لكن في الفترة الأخيرة لم تعد تستطيع أن تقول أن أكثر المسلسلات المذاعة هي موجهة للمشاهدة العائلية بل أن العديد منها هي أداة فعّالة للتخريب الأخلاقي والوجداني وكلما طرح هذا الموضوع يتبجح صانعوها وممثلوها بأنها تعكس الواقع الإجتماعي !! ..

العجيب في هذا الكلام أنه يصف المجتمع بشكل يجعلنا نشك أننا نعيش فيه أصلاً وكأنه مجتمع آخر في دنيا أخرى لأننا اذا افترضنا أنهم يتكلمون عن نفس المجتمع الذي نعيشه فيه فمعنى هذا أننا نعيش في ماخور كبير وهذا ليس صحيحاً إطلاقاً .. المشكلة هنا أنهم إما يصفون المجتمع الذي يعيشون فيه هم أو أن هدفهم .. وهذا جزء كبير من الحقيقة .. هو تجاري بحت تحت مبدأ أن كل ممنوع مرغوب وأن هذه الأمور هي التي تجلب أكوام كبيرة من المال من مموّلين يريدون هذا النوع من المسلسلات بالتحديد ..

وأنا أستغرب كيف أن من يقدمون أنفسهم أو يتم تقديمهم على أنهم النخبة المثقفة والواعية في المجتمع ينتجون تلك الأعمال التي تصف العلاقات المفككة والتصرفات الشاذة والإنحراف والمنحرفين على أنها الواقع الاجتماعي وأن حثالات المجتمع الشاذة هي المجتمع تحديداً .. هذا شيء غريب فعلاً ويشكك بحقيقة انتمائهم المجتمعي .

لكن في العموم الأعمال الجيدة مازالت موجودة .. هناك معايير عامة لتقييم أي عمل ولكن على المستوى الشخصي أعجبتني أعمال درامية كمسلسل أهل كايرو ومسلسل نيران صديقة ومسلسل ضيعة ضايعة السوري .. أريد أن أتوقف عند هذا المسلسل الذي نجح ممثلوه بأن يعطوا شخصيات أيقونية بشكل كامل بحيث لم تعد تستطيع معرفة من بطل المسلسل بالتحديد .. لكن في العموم شخصيتي المسلسل الرئيسيتين هما : أسعد وجودة الجاران اللذان يعيشان في تلك القرية على ساحل المتوسط السوري .. أسعد الإنسان الطيب لدرجة البلاهة وجودة الثعلب البسيط الذي يمثل كل نوازع الأنانية والغيرة واصطياد الفرص والذي لا يكف على النصب على أسعد البسيط وأخذ أمواله في النهار والسطو على دجاجاته في الليل ..

كان ضغطنا يرتفع ونحن نشاهد سلبية أسعد وعدم قيامه بفعل أي شيء تجاه عمليات النصب اليومية التي يقوم بها جودة بحقه .. كان سبب غضبنا هو أننا بشكل بسيط وبديهي لم نكن لنسمح لأي شخص بأن يستغلنا ويستولي على نقودنا بهذه الطريقة.

لكن الحقيقة أننا من الممكن جداً أن نتعرض لمثل عمليات النصب تلك من دون أن نشعر بها إلا في وقت متأخر هذا إن شعرنا بها من الأساس .. دعنا نتفق هنا أن الأشياء القيمة في الدنيا ليست هي النقود فقط .. هناك أمور أخرى أكثر قيمة منها بكثير .

في السنوات الماضية تعرفت على شخص في محيط العمل .. كان هذا الشخص في منصب مهم قبل أن تحدث أمور معينة تتسبب في فقدانه لهذا المنصب .. ولأنه لم ينسى ما جرى له فكان يتحدث باستمرار عن ذلك باعتباره مؤامرة تسببت له في أذى كبير .. شعرت بتعاطف كبير معه ومع الوقت نمت بيننا صداقة كبيرة بحيث كنا نذهب لتناول طعام الغذاء سوية بشكل يومي ونتمشى بعد العمل لوقت ليس بقليل قبل أن يذهب كل منا الى بيته .. وكان لا يكف عن الحديث طوال الوقت عن ما جرى له وعن أمور كثيرة تخصه بشكل شخصي حدثت وتحدث معه في محيط العمل وخارج محيط العمل ويتحدث عنها وعن ردود أفعاله بطريقة مثالية وكنت لا أكف عن نصحه وإبداء الرأي في تلك الأمور بدافع الصداقة والحرص عليه .. وكان هذا يأخذ من وقتي وأعصابي القدر غير اليسير ..

مع الزمن ومن خلال أحداث عديدة بدأت أكتشفت ببطء أن الأمور ليست كما يصورها لي بالضبط وخاصة أن التزامه بأصول العمل ليس كما يجب وكما كان يصوره لي .. الى أن جاء وقت نجح فيه من خلال التواصل مع جهات ما أن يظفر بمنصب جيد .. وبعدها لم يعد هناك من داع لمتابعة دور البطل المظلوم .. وهكذا تبين لي أنه كان يقوم بسرقة وقتي بلا طائل بدعوى الصداقة التي لم تكن حقيقية قط بل هي الحاجة لوجود شخص بجانبه من ضمن محيط العمل لا أكثر..

وقت كان من الممكن أن أستغله بأمر حقيقي ومفيد ..

وقت لا يقل قيمة عن النقود التي كان يأخذها جودة من أسعد من دون أي منطق أو سبب أخلاقي .. من الممكن في فترات ما أن يكون في حياتنا جودة لا يختلف كثيراً عن جودة الذي يلازم أسعد دائماً بانتظار اقتناص مكسب أو فرصة ما ليتركنا بعدها ويعود الى بيته وهو يضحك هازئاً في سره من طيبتنا وعفويتنا وردود أفعالنا التي نبنيها على أسس أخلاقية .

جودة الذي في كل مكان

مشروع مصروف الجيب

من النادر أن تجد شخص لا يملك قائمة أمنيات ما مكتوبة ضمن ملف موجود على حاسبه أو على ورقة يضعها في مكان ما في المكتب .. قد تكون بضع ورقات كتبها خلال فترات مختلفة ونسي أين وضعها .. قد تكون مجرد أفكار ثابتة في الذاكرة تلحّ عليه كل فترة فيسكتها برفق هامساً لنفسه بأن الوقت غير مناسب لها.

هذا شيء مفهوم .. الأعباء المادية تفرض نفسها دائماً وهناك من الأماني ما قد يعيش معك حتى شيخوختك .. في صغري كانت هناك لعبة اشتراها لي أبي ويبدو أنني حطمتها وهي عبارة عن قطار يعمل على البطارية وسكّة دائرية كبيرة تقوم بتركيبها بنفسك ثم تضعه عليها وتشغله ويبدأ بعدها بالسير على القضبان محاولاً محاكاة الصوت الحقيقي .. رغبت لسنوات طويلة باقتناءها مرة أخرى كنوع من الزينة على الأقل وبحثت عنه بشكل جدّي في سنوات سوريا ولكن يبدو أنهم لم يعودوا يستوردوا هذا النوع وبدلاً منه وجدت قطارات رديئة الصنع وبلا سكّة أيضاً.

لن تستطيع اقتناء كل ما ترغب به بطبيعة الحال .. منذ بضعة أيام خطرت لي فكرة لا أعتقد أنها أصيلة جداً ولا بد أن هناك من انتابته ربما بأشكال مختلفة ..

لماذا لا أبحث عن مشروع لمصروف الجيب ؟

الفكرة هي كالآتي : عادة ترتبط كلمة ” مشروع ” بالأعمال ذات المردودات الكبيرة التي تكفي نسبياً لقضاء المصاريف بشكل كامل .. ولكن ماذا عن مشروع صغير لا يحتاج لجهد أو وقت كبير .. ساعة مثلاً كل يوم وعوائد قليلة تتجمع خلال الشهر لتكوّن مبلغاً صغيراً يكفي لتحقيق أمنية واحدة .. أتحدث هنا عن تلك الأمنيات المتعلقة باقتناء الكتب .. قضاء يوم خارج المنزل من دون التفكير بذلك المبلغ الذي سيقتطع من مصروف المنزل .. شراء تلسكوب ومراقبة النجوم .. شراء مكتب يصلح لمساحة عمل يحتوي على مكان لمكتبة ..

هناك الكثير من الأمثلة التي قد تخطر لكم بهذا الصدد .. كلٌّ وفق أمانيه ..

قد تتطلب منك أمنية واحدة الانتظار بضعة أشهر لكي يتجمع المبلغ الكافي لها .. لا بأس بذلك أنت بدأت فعلاً .. هكذا ستستطيع تحقيق تلك الأمنيات الصغيرة الحجم التي ستولّد لك قدراً كبيراً من السعادة والإيجابية من دون انتظار الوقت المناسب لها والذي لن يأتي غالباً .. الوقت يمضي بسرعة وستكتشف بعد قليل أن القطار الذي حلمت بشراءه زمان قد اختفى من الأسواق وجاء بدل منه ذلك الذي بلا سكّة ..

فعلياً ما هو الشيء الذي نستطيع فعله ضمن هذه الشروط ونستطيع أن نطلق عليه : مشروع مصروف الجيب ؟

الواقع أنني لم أصل لإجابة عن هذا السؤال بعد .. ما زالت الفكرة طازجة في عقلي ولم تختمر .. ولكني أراها مغرية حقاً وتستحق أن توضع في محل التطبيق.

الكتب لمن يملكها

أحب كثيراً ميزة تصفح بضع صفحات من بداية الكتاب التي توفرها خدمة “google books” و “kindle” على حد سواء ..هكذا تستطيع أخذ قرار الشراء وأنت تعرف ما أنت مقدم على قراءته ..

زمان قبل وجود هذه الخدمات الالكترونية وقبل وجود خدمة الانترنت نفسها كانت تتاح لي هذه التجربة مرة واحدة في السنة في معرض الكتاب الذي كان يقام في جامعة حلب .. كانت صالة المعرض كبيرة حقاً ومليئة بالكتب .. هناك بدأت أكتشف وجود كتب لتعليم التقنية بأنواعها المختلفة .. تلك الكتب كنت التي لا أجرؤ على التفكير بشرائها لأن ثمن الواحد منها يساوي نصف راتب موظف حكومي .. لذلك كنت أكتفي بتصفحها وكان يُسمح بذلك وهذا شيء جميل .. هناك عرفت أن السواقات الليزرية لحواسيب ماك تصدر صوتاً مثل صوت القيء عند فتحها 🙂 !!

وبعيداً عن كتب التقنية الضخمة الحجم كان هناك كتب نجحتُ في إنهائها من دون أن أشتريها .. فقط كنت أزور المعرض بشكل يومي وأقف لأتصفح كل منها لربع ساعة مثلاً .. فيما بعد سيصبح هذا أكثر سهولة عندما دخلنا في عصر قرصنة الكتب بهيئتها الالكترونية .. لم يكن أحد ليعبأ بذلك فلم يكن هناك أقسام ولا موظفين يرمقون الزائرين بصرامة .. كانت المراقبة تتم عن بعد وقد تجد من يطلب تفتيشك إن لاحظ ما يريب .

بالعودة الى ميزة تصفح الكتب في خدمات شراء الكتب الالكترونية .. قبل عدة أيام كنت أتفحص أحد الكتب ولفت نظري عبارة مكتوب في ثاني صفحة تدعو القارئ الى شراء نسخة إضافية لكل شخص يرغب في مشاركته الكتاب وأنه لا يمكن بيعه واعطائه لأشخاص آخرين لأن المؤلف عمله شاق !! ..

أتفهم تعب المؤلف طبعاً فـأنا ألفت رواية ومجموعة قصصية وخضت تجربة هذا التعب ولكن أن تفرض على من يشتري الكتاب أن لا يعيره لأحد فهذا أمر أراه مثيراً للسخرية لأنه ببساطة أصبح مالكاً للكتاب ويحق له أن يتصرف بما يملك كما يرغب هو .. أنا لا أتحدث هنا عن سرقة حقوق الملكية فالنص ملك لمن كتبه ولكن الكتاب أيضاً ملك لمن يشتريه ولا يستطيع أحد أن يتحكم بمن سيقرأه ولا أن يفرضها كقضية أخلاقية ..

في العموم لا يرغب أصحاب الكتب بإعارة كتبهم للآخرين وهذه نزعة لا ألومهم عليها ففي الغالب يعود الكتاب لك وقد أكل الزمان عليه وشرب بل وقام بفعل آخر أخجل من ذكره 🙂 .. وإعارة الكتب الالكترونية العربية غير متاحة غالباً .. كان فرزت العزيز يود اعارتي كتاباً من كيندل واكتشف هذه الحقيقة واكتشفتها أنا أيضاً باكتشافه .. بعد كل هذا لم يخاف الناشر من قضية اعارة الكتب وهي لا تحصل إلا نادراً ..

الناشر عموماً لا يخاف فقط من هذه القضية .. هو يخاف من أي شيء غير مضمون فلا ينشر إلا الكتب ذات الأسماء المعروفة لذلك لا ترسل أي كتاب للنشر اذا لم تكن اسماً معروفاً ولا تسألني كيف سأصبح معروفاً إن لم ينشر لي أحد ما كتاباً .. هذه مشكلتك يا عزيزي .. عموماً تستطيع أن تحدث أكبر قدر من الجلبة والتفاهة على أحد منصات التواصل الاجتماعي .. تكلم عن الترندات وعن الأشياء الرائجة .. كنّ نسوياً أو كوني نسوية وصب جام غضبك على تصرفات البشر الذين لا يتابعونك أساساً .. تنمّر واحرص على الوقاحة وطول اللسان .. ستصبح معروفاً جداً وسيرغب أي ناشر بنشر أي هراء ستكتبه .. لا يهم ذلك بالنسبة له ما دمت تملك جمهوراً مستعداً للشراء من أجل عينيك فقط .

رابط الصورة البارزة