بين الثلاثية

انتهيت البارحة من قراءة ثلاثية نجيب محفوظ وهي لمن لا يعلم ملحمة روائية مكونة من ثلاثة أجزاء : بين القصرين – قصر الشوق – السكرية .. الطبعة التي قرأتها هي الطبعة رقم : 12 لدار الشروق .. عدد صفحاتها : 1500 صفحة تقريباً .

بدأت علاقتي بكتابات نجيب محفوظ منذ نحو ستة وعشرين سنة .. كنت وقتها في الثالثة عشر من عمري تقريباً على ما أذكرعندما وقعت في يدي روايته “بداية ونهاية” .. كانت أول رواية أقرأها ولا زلت أذكر تفاصيل عديدة منها .. قرأت له فيما بعد روايات وقصص قصيرة عديدة وبعض الكتب عنه وعن شلة الحرافيش والمجالس التي كان يعقدها في العديد من المقاهي لمدة طويلة من الزمن .. لكني كنت أتهيب قراءة الثلاثية بالذات لأنها طويلة وتحتاج لوقت وتفرغ وهذا ما تحقق لي مؤخراً عندما قررت أن تكون القراءة اليومية عادة ثابتة لي ورأيت أن قراءة رواية تستغرق وقتاً هي أفضل سبيل لتحقيق ذلك فخطرت لي الثلاثية فاشتريت الاصدار الورقي وبدأت بها منذ أقل من شهر حتى مساء البارحة .

الحق أنني استمتعت بها كثيرة ونجحت في جذبي بعد بضعة صفحات بحيث كنت أستعجل الوقت أحياناً لكي يأتي الليل وأعود للغوص في ما جرى عبر السنين وبين الأحياء والبائعين والمظاهرات ورصاص المحتلين .. الثلاثية لا تمثل فقط تاريخ شخوصها بل جزء حيوي وحاسم من تاريخ مصر .. ونجيب محفوظ يعرف تماماً كيف يجعلك تسير بلا عناء في حارات القاهرة القديمة التي رآها من رآها بعينيه ورأيتها أنا بقلبي .

ما سأكتبه هنا هو ليس مراجعة بقدر ما هو انطباعي عن الشخصيات الرئيسية .. الثلاثية هي أضخم وأكثر عمقاً بكثير من أن تلخص بمراجعة أو بمجرد مقالة.

تتحدث الثلاثية عن أحمد عبد الجواد صاحب دكان البقالة الذي يقع في منطقة النحاسين وعائلته المكونة من الزوجة أمينة والأبناء ياسين الذي هو نتاج زيجة سابقة وفهمي وخديجة وعائشة وكمال .. تكتيك الكتابة الذي اتبعه نجيب محفوظ هو التركيز المطلق على العائلة فقط بحيث نتعرف على جميع الشخصيات التي حولها من خلال وجهات نظرها هي بحيث يتحدث كل فصل عن أحد الوقائع التي حصلت لفرد من العائلة أو للعائلة كلها عندما تكون هناك مناسبة زواج أو طلاق أو موت .

تكتيك الكتابة هذا جعل من جميع أفراد العائلة أبطالاً للرواية ولكن من الممكن أن نعتبر الأب هو الشخصية الرئيسية الى حد ما .. أحمد عبد الجواد الصارم لدرجة التزمت في بيته الذي أجبر كل فرد فيه على احترامه من بوابة الخوف الواسعة .. أحمد عبد الجواد الذي يمثل التناقض الصارخ بين شخصيته الشمولية في البيت وشخصيته العابثة المرحة في سهراته اليومية مع شلته في بيوت العوالم والمغنيات .. تلك الشخصيات الغربية التي تظن أن الخوف والضرب هو مصدر التربية السليمة من دون الحاجة لأي فعل آخر .. والنتيجة أن أغلب أولاده الذكور قد استحالوا نسخاً مشوهة منه فيما بعد .. نسخ لا احترام لها لمفهوم الأسرة والزواج والحياة المحترمة .. أحمد عبد الجواد الذي تجاهل حقيقة ما يفعله الزمن بالإنسان فكان أن استحال بعد قوته لهرم عجوز لم يتحمل جهد النزول لملجأ أثناء غارة أثناء الحرب العالمية الثانية وعاد الى بيته ليموت .

أمينة زوجته القانعة الوديعة لدرجة سلبية جداً والتي تشجعت مرة أثناء سفر أحمد عبد الجواد وذهبت خلسة مع أصغر أبناءها الى مسجد الحسين لتدهمها عربة أثناء عودتها وتصيبها بكسر وتوقعها بمصيبة كشف جريمة خروجها من المنزل من دون إذن أحمد عبد الجواد التي لم تجرأ أن تكذب عليه عندما سألها بصرامة عما جرى .. هذه الحادثة تلخص شخصيتها بشكل جيد .. أمينة البسيطة الذي كان الدين بالنسبة لها هو زيارة الأضرحة وما سمعته من حكاوي ودروس وما يخبرها ابنها الأصغر كمال عندما يعود من المدرسة.

ياسين الشهواني الذي خلّفت نشأته مع أمه المطلقة ندوباً نفسية كبيرة حقد وكره من خلالها أمه قبل أن يفعل فيما بعد ما يفوق ما كانت تفعله بمراحل متعلل بشتى الحجج .. ياسين الذي لا يرسى على زوجة والتي شكمته في النهاية زنوبة العوادة التي كانت على علاقة به وبأبيه .. زنوبة التي اعتزلت حياة العوالم لحياة ربة المنزل المحترمة والتي أعتبرها أحد الرابحين القلائل هنا.

خديجة صاحبة الوجه الغير جميل واللسان السليط التي تزوجها أحد أبناء عائلة شوكت بعد أن تزوجت أختها الأخ الآخر .. الحانقة أبداً على حماتها المنجبة لعبد المنعم وأحمد الذين انتهى بهم الأمر الى المعتقل لأن أحدهم من الإخوان والآخر ماركسياً .

فهمي طالب المحاماة المجتهد الذي أحب مريم وفاتح أباه بالزواج فكان الرفض إرادته العليا .. وكان موعده أن يكون أول المغادرين بعد رصاصة غادرة من الجنود الانجليز أثناء ثورة 1919 .

عائشة الفتاة الجميلة المدللة المتزوجة أولاً والتي ابتليت بفقدان زوجها وأبناءها تباعاً حتى تحولت الى ما يشبه الجثة القابعة في المنزل .. جثة خالية من الأسنان لا تكف عن التدخين والإبتعاد عن السكرية حيث كانت حياة الهناء المفقودة .

بقي لدينا كمال .. بصراحة لم تنجح شخصية قصصية في إثارة غيظي من سلبيتها وغبائها أكثر منه .. كمال الذي نشأ نشأة دينية على يد أمه والذي كان المدلل بحكم سنه .. الواقع أني لا أعتبر أن ما نشأ عليه هو نشأة دينية بقدر ما هو تلك القواعد والأعراف التي يضعها المجتمع قناعاً على وجهه ليقنع الناس أنها هي الدين .. الاكتفاء باستنشاق الرائحة من دون أساس حقيقي .. كمال المراهق الذي دخل في قصة حب لا منطقية أدت به أن يكفر بكل شيء ويصبح راهب علم اتفق جميع من قرأ مقالاته أنه لم يفهم منها شيئاً .. أعتبر كمال مثله مثل الواقف على محطة قطار لن يأتي مطلقاً ولا يفعل أي شي سوى مراقبة من حوله مسلياً نفسه بأنهم جميعاً حمقى وبأنه هو صاحب الطريق والرأي الصائب الوحيد .. كمال الذي تعود مثل ياسين تماماً على التردد على بيوت الدعارة بدعوى أنها تحقق له ما يحققه الزواج من متعة جسدية .. شخصية مشوهة من نتاج الحياة في بيت أحمد عبد الجواد.

ما لفت نظري هو المشهد الأخير .. ياسين وكمال الذاهبان الى محل ملابس ليشتري ياسين بعض اللوازم لابنته الوشيكة الولادة وكمال الذي تذكر أن ربطة عنقه السوداء قد بليت وأن عليه شراء واحدة جديدة لأن ما بقي لأمينة أمه وفق ما أخبره الطبيب كان ثلاثة أيام .. شعرت بأن الصمت قد ساد الأجواء ولم يعد هناك إلا صوت البائع وهو يضع الحوائج في العلب التي أخذها الأخوان ومضيا عائدين لبين القصرين .

ليس هذا كل شيء .. هناك شخص يقف على جانب الطريق بين المارة والباعة يرمق ياسين وكمال بهدوء .. هل ترونه ؟ .. شخص ضعيف ضئيل البنية خفيف الشعر يلبس نظارة سوداء وبذلة سفاري زرقاء .. شخص أحب حارات القاهرة القديمة حتى عرفها كثير من البشر من كل أنحاء العالم .. كان ياسين وكمال قد بلغا منعطف الطريق وغابا عن الأنظار حين هز ذلك الشخص رأسه وتابع سيره بهدوء مماثل .

نُشرت بواسطة

عامر حريري

كاتب في مجال الدراما والخيال .. قارىء شغوف برائحة الكتب

فكرة واحدة بشأن "بين الثلاثية"

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s