الماشي في ممرات كلوب هاوس

دعني أعترف لك بإعتراف صغير : أنا لا أحب وسائل التواصل الإجتماعية.

وهذا الكره ليس بالأمر الجديد فأنا لم أنشأ حساباً على فايس بوك مثلاً إلا في عام 2010 وكان سبب ذلك هو رغبة بعض أقاربي المتقاربين معي في العمر في أن نجتمع في مكان واحد ولو نظرياً لكي نتجاوز بُعد المسافات وبعض المشاكل القديمة التي حالت دون أن نتواصل لفترة طويلة .. وليتنا لم نفعل ذلك لأن النتيجة كانت سلبية وأصبحت الأمور أكثر سوءاً من قبل ..

المنصة الوحيدة التي استطعت التلائم معها هي تويتر فقط لأن شلال المعلومات والصور والكلام محدود جداً قياساً بما يحدث على فايس بوك .. جربت مرة تيك توك وحذفته بعد نصف ساعة .. هذا الكم الرهيب من الفيديوهات الشخصية أثار جنوني وبخاصة أن أغلبها بينه وبين الخصوصية والاحترام سوء تفاهم كامل .

بالنسبة لي كانت المشكلة المزمنة في وسائل التواصل هو السؤال التالي :

من يحق له الكلام ؟؟

الجميع أصبح لديهم هواتف ذكية واشتراك انترنت .. الجميع أصبحوا داخل الشبكات الاجتماعية المختلفة بشهية كبيرة للتفاعل من دون الالتزام غالباً بأي قيود .. وأصبح من حق أي شخص أن يكتب وينشر كل ما يرغب به .. ولكن السؤال الذي طرحته منذ قليل مازال يلحَ هنا : من يحق له الكلام ؟؟

تصور أن يدور حديث ما عن الأساليب الصحيحة في وضع المكياج ومجموعات الألوان الملائمة للموضة .. هل يستطيع أي شخص المشاركة في هذا النقاش ؟؟ .. لاحظوا معي أن الأمر لا يتعلق بمدى أهمية الحديث التي هي نسبية جداً بقدر من يملك المعرفة التي يستطيع من خلالها أن يكون طرفاً في النقاش ..

المنطق أن يكتفي بالقراءة أو الاستماع أو المشاهدة أو حتى التجاهل من لا يملك هذه المعرفة .. لكن ما يحدث غالباً هو غير ذلك ..

من فترة قريبة بدأ تنتشر منصة Clubhouse في المنطقة العربية .. سمعت عنه في البداية ثم أرسل لي فرزت مشكوراً دعوة .. الأي باد يفي بالغرض هنا فأنا لا أملك أي فون ولا أنوي امتلاكه .. بسبب سعره لا أكثر .. فتحت التطبيق وبدأت أتجول بين الغرف ..

أريد أن أكون منظماً وأتكلم عن تجربتي مع كلوب هاوس بمنطق الايجابيات والسلبيات

بالنسبة للايجابيات

  • النقاش ينتهي على نظافة لعدم وجود امكانية للكتابة ونشر الصور أو التعليقات أو غيرها .. الكلام فقط ولا شيء غيره .. ومبدأ التفاعل بسيط .. تضغط لرفع يدك فيعطيك المشرف لو أراد إمكانية الحديث .. ليس بالضرورة أن يتم السماح لك بالحديث بشكل مباشر طبعاً
  • طريقة التواصل تأخذ شكلاً انسانياً أكثر دفئاً واقتراباً من الناس .. النقاش حتى من دون استطاعة التواصل البصري .. الكتابة والصور بشكل مستمر يشجعان على تجاوزات لا يجرأ أغلب الناس على فعلها في حال التكلم والتطبيق يركز على ظهور المستخدمين بشخصياتهم الحقيقية قدر الإمكان لأنه يطلب في البداية أرقام هواتفهم وهذا أمر ايجابي لذلك هذه المنصة لا تصلح برأيي لأي شخص يريد ابقاء شخصيته غير معلومة ولا أرى من المنطقي أن يقبل مشرف أي غرفة أن يعطي المجال للكلام أو لدخول الغرفة حتى لأي شخصية مجهولة.
  • المعلومات ووجهات النظر وطرق التفكير التي قد تكتسبها لو أحسنت اختيار الغرفة .. المستمع الجيد يكسب أكثر من المتكلم .. هناك أشخاص مفيدون حقاً هناك وكمثال عملي هناك الغرف التي يديرها أشخاص عديدون كفرزت … ليست هذه دعاية لأنه هو من دعاني 🙂 .. والتي رأيتها مفيدة حقاً وتعطيك معلومات عن المجالات النفسية التي من النادر أن يتكلم عنها الناس بذلك الوضوح والتفاصيل التي سمعتها في إحدى المرات .
  • أن تسمع أناس جديرون بالاحترام يتحدثون بشكل مباشر وكأنك معهم في غرفة واحدة .. أنت كذلك حقاً .. هذا شعور جميل بالنسبة لي أنا الذي أبحث منذ زمن طويل عن تجمع ثقافي كحرافيش نجيب محفوظ رحمهم الله .

يكفينا ايجابيات لأن زيادتها متعبة للصحة كما تعلمون ولننتقل الى السلبيات 🙂

  • كأي شيء آخر في هذه الدنيا من الممكن استعمال هذه المنصة في أمور قد تجلب الضرر وخاصة في الدول التي أسلوب حياتها يتعارض مع استطاعت مواطنيها الكلام بحرية ..وخاصة أن الأمر هذه المرة يتعلق بالتكلم والكلام أقوى من أي فعل آخر .. المشكلة أن المسموح به وغير المسموح به أمر نسبي ومجرد أن تكون في غرفة ما لم يعجب ما جرى فيها جهة ما فهذا قد يعرض المتواجدين بها حتى الصامتين منهم لمشاكل عديدة .

  • الديناصورات .. وأنا أقصد هنا الناس الفخورين بنفسهم لدرجة أنهم يعتقدون أن الفهم والثقافة هي أشياء تأخذ عن طريق اللبوس أعزكم الله ولأن هذا اللبوس لا يعطي نتائجه إلا معهم هم حصراً فمن الطبيعي أن يكون حق الكلام لهم وحدهم فقط .. المشكلة أن هذا النوع من الديناصورات غير قابل للإنقراض كأجدادهم الأوائل وتراهم غالباً محاطين بمن لا يكف عن سكب عبارات المديح لهم وإصداع رؤوس المستمعين بمديحهم لتلك الديناصورات الفخورة بنفسها .. بالنسبة لي لا أرى أي قيمة لعلم أي شخص متكبر لذلك أغادر الغرفة مباشرة عندما أشعر أنهم موجودون .. هم يجتمعون للأسف على شكل قطعان وهذا كفيل بجعل أي غرفة يتواجدون بها أشبه بمدرسة ابتدائية وعلى جميع التلاميذ الجلوس بشكل صحي لكي ينهلوا من تجارب الديناصورات العميقة.

  • التخت الشرقي .. هذه ظاهرة وجدتها بشكل متكرر في أكثر من غرفة .. تدخل الغرفة في أمان الله فتجد المشرف هو وبعض الشخصيات جالسين بارتخاء ونعومة على تخت عال مزركش ولا يكفون على الحديث العميق والتظاهر بالحنكة وخفة الدم .. ستشم أيضاً رائحة بارفان ممزوج بعرق ثقيل .. وستكتشف بعد دقائق قليلة أن الجالسين على هذا التخت الشرقي هم المشرف وأصدقائه وستعرف أيضاً كم هم أفاضل وطيبون عندما يتنازلون لدخيل مثلك ويسمحون لك بأن تصعد لمجموعة من يحق لهم .. نظرياً .. الكلام .. فقط لكي تتحول لمزهرية لا يحق لها التكلم إلا عندما يتعبون هم منه .. ولا أنصحك بأن تغضب لو قاطعك أحد من أفراد التخت الشرقي أو حتى لو تم تجاهلك ولم يسمح لك بالكلام .. الغرفة غرفتهم وأنت .. يالوقاحتك .. غريب بين أصدقاء أوفياء لا يفترقون عن بعض حتى في مجاهل الكلوب هاوس.
  • المشاهير المنتهي الصلاحية .. كذلك المهرج القديم صاحب البرنامج الشبيه بجو شو .. دخلت على غرفة كان بها فسمعته يقول لصديقتين له : قاطعا من تشاؤون فهذه الغرفة أنشأت لكم في الأساس .. وهذا .. لعمرك .. مثال واضح عن مدى تهذيبه واحترامه لنفسه ..
  • سوء ادارة الغرفة .. هذا مثال رأيته في إحدى الغرف التي كانت تتحدث عن البودكستات العربية .. سأل أحد الحاضرين عن نصائح لتقديم بودكاست يهتم بالعلوم وكيف من الممكن أن يتقبله الناس .. كنت أريد الإجابة على السؤال بشكل مختصر وسريع ولكن رأى مشرف الغرفة أن يؤجل الإجابة على هذا السؤال ليعطي الفرصة لبعض من يريد أن يحكي عن تجربته في مجال البودكاست .. بعد مناقشات طالت اضطررت للخروج من الغرفة لضيق الوقت ولم أستطع الاجابة .. كان من المنطقي أن يترك فرصة لبعض الإجابات ليكمل بعدها السير العام للغرفة .. تبادل الخبرات والرأي لا يقل أهمية عن أي شيء آخر .

كما رأيتم وفي العموم كانت تجربة لا تخلوا من ما هو جيد وما هو غير ذلك .. وكأي وسيلة تواصل اجتماعي يجب التنبه من الحالات الادمانية التي بدأت تصيب أشخاص فيها باعترافهم لدرجة قضاء معظم أوقاتهم يتجولون بين الغرف أو قابعين في غرفة واحدة طوال الوقت .. الحياة ليست مكاناً واحداً ولا تجربة واحدة .. والمياه الراكدة هي المكان المحبب للطحالب والأشنيات .

الصورة البارزة

نُشرت بواسطة

عامر حريري

كاتب في مجال الدراما والخيال .. قارىء شغوف برائحة الكتب

فكرة واحدة بشأن "الماشي في ممرات كلوب هاوس"

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s